وهكذا بدا الطيب العربي علميًا في العصر العباسي بفضل اسهام هؤلاء النوابغ الذين عزلوا علم الطب عن الفلسفة والمعتقدات وأخضعوه للملاحظة الحسّية والتجربة، فاستقى أصوله من البيئة العربية الإسلامية، ونما في ظلال ثقافتها.
ويرجع للعرب فضل نقل الحضارة إلى أوربا عن طريق الاحتكاك بالشرق في الحروب الصليبية، وبفضل حركة الترجمة التي نشأت في صقلية والتّماس الحضاري في الأندلس. على أن أبرز هذه الطرق تأثيرًا كان حركة الترجمة في صقلية التي استولى عليها العرب عام 837 م، ثم انحسر سلطانهم عنها، وكان ملكها"روجر الثاني"محبًا للعلوم متسامحًا في الدين، فرعى العلم والعلماء، وقرّب أعلامه من العرب ومنهم: الشريف الإدريسي، واهتم ابنه"فريدريك"بالطب فأنشأ مدرسة""سارنو"الطبية، واعتمد مدرسوها المراجع الطبية العربية، وقام"قسطنطين"الإفريقي وهو تاجر تونسي استقر في صقلية، واعتنق النصرانية بترجمة مخطوطات الطب عن العربية، وتسلل بعض خريجي هذه المرسة إلى فرنسا، فدرّسوا الطب في"مونبلييه"و"باروا"."
أما في الأندلس فقد فرضت اللغة نفسها لغة للعلم والثقافة بعد سقوط غرناطة 1492م، وقام البابا"سلفستر الثاني"الذي أقام ثلاث سنوات في اسبانيا، واستهوته علوم العرب برحلة إلى قرطبة"، كما أقام رئيس أساقفة طليطلة"ريموند"ديوانًا للترجمة عن العربية، وكان أشهر تراجمة"طليطلة،"جيرار الكريموني"فنقلت كتب أعلام الطب العربي كابن ماسويه والرازي وابن سينا. وأسس أطباء العرب النازحون من الأندلس أول مدرسة للطب في"مونبلييه"وادخلت كتب الطب العربي في مقرارات هذه المدرسة. وهكذا كان للعرب فضل تأسيس نهضة أوربية، وقيام حركة الإحياء على أسس من العلم العربي والثقافة العربية.