أمّا الرواية الثالثة، رواية"بروكوب"فمن الواضح أنها مستقاة من المصادر الشرقية إذ هي من الروايات المعروفة لدى الإخباريين الذين تحدّثوا بطرق مختلفة عن خروج البربر من فلسطين وأسبابه.14
هذه الرواية بقطع النظر عن الشك الموجه إليها كان يجب أن توضع ضمن الروايات الأخرى من عربية وبربرية، وأن يكون الموقف منها هو الموقف العلمي من الروايات الشفوية بصفة عامه. فلا ينبغي أن يكون هذا الموقف القبول أو الرفض الاعتباطيين، وإنما يكون بوضعها في إطار ما وفرته المصادر الإخرى من آثار ووثائق، مكتوبة، وعلم أسماء، وعلم اللغة المقارن، وما يتعلق بالنظم والتقاليد والأعراف وغير ذلك من مختلف مصادر المعرفة. وهو ما يجعلنا نتبينها ونستفيد منها بوجه من الوجوه."فالرواية الشفوية من مصادر المعرفة التاريخية. وإن أولى خزّاناتها - كما قيل - أدمغة الرجال، ولا يمكن الاستغناء عنها في بعض المراحل من تطور المعرفة الإنسانية. فهناك حضارات متعدّدة كما في إفريقيا اعتمدت في الماضي على الكلمة والروايه الشفوية،وقد اتّخذ المؤرخون من ذلك سبيلًا لدراسة الحضارات والتعرف عليها. والمعروف أنّ ذاكرة الشعوب قادرة على اختزان أشياء كثيرة من الماضي البعيد،وقد لاحظ البعض بناء على ما عرفوا من أحوال عدد من الشعوب أنّ الذين لا يكتبون هم أقوى ذاكرة"15