وهذا الحكم الباتّ الذي أصدره السيد فنطر لا ندري كيف تأتَّى له والحال أنه ليس من العالمين باللغات السامية والبربرية ولا من المختصين بعلم اللغات المقارن. يضاف إلى هذا أنّ هناك أبحاثًا لغوية عديدة تفنّد تمامًا زعمه. وتثبت بما لا يدع مجالًا للشك العلاقة المتينة بين اللغة البربرية وما سمي باللغات السامية. وهذا يعني أنّ السيد فنطر لم يكن مطلعًا على تلك الأبحاث وأنّه استند في قوله السابق على ما كانت تروجّه المدرسة الفرنسية من نظريات شتىّ حول أصل البربر. فقد صرّح في أكثر من مناسبه أن البربر حاميّون". وصمته هذه المرة عن إعادة ذلك قد يكون لجديد جدّ عنده، والمعروف أنّ المدرسة التاريخية الاستعمارية بعد أن سقطت نظرية الأصل الأوروبي للبربر بحثت عن نظرية جديدة تناسب أغراضها، وتكون في الوقت نفسه مرتكزة، في الظاهر، على أساس علمي يسهّل ترويجها. فوجدت ضالتها في"النظرية الحامية"التي نشأت من ألمانيا وانطلقت إلى أوروباولم يلبث علماء اللسانيات الألمان أن تخّلوا عنها لنقائصها ولما جدّ من جديد في ميدان البحث اللغوي المقارن. إلاّ أن المدرسة الفرنسية تمسّكت بها منذ العشرينيات ومن أقطابها"دولافوس M.delaffosse"الذي وضع تصنيفًا سنة 1923 في اللغات الإفريقية ومنها (الحامية) التي تشمل في نظره:البربرية والمصرية والكوشية". ونظرًا لتقدم الأبحاث وما أثبته من صلات لغوية بين"الحامية"و"السامية"فإن الباحثين صاروا يعدّونهما مجموعة واحدة ويطلقون عليهما معًا:"السامية-الحامية". لكن هذا أزعج المدرسة الفرنسية ذات التوجّه الاستعماري التي رأت من المقولة الجديدة تأكيدًا لأواصر القربى بين البربرية والسامية وخاصة العربية حتى إننا نجد الفرنسي"أ.موي a.meillet"يعلن في حزم"من المستحيل إرجاع السامية والبربرية إلى أصل واحد"19