فهرس الكتاب
ولعلّ من المفيد أن نذكر أيضًا أن"عبد القاهر الجرجاني"في"أسرار البلاغة"عرض للآية ورفض أن يكون في القرآن حرف لامعنى له لأن وجود الحرف لا يمكن أن يكون إلاّ بوجود معناه معه وحدّد هذا المعنى الذي يفيده حرف"ما"في الآية وقال إنه يفيد التأكد والمجاز 17وهو ما ذهب إليه"الرافعي"حين تعرّض للآية نفسها فأبطل أن يكون في نظم القرآن حرف زائد لأن هذه الحروف تفيد إفادة جديدة في موقعها سواء أكانت هذه الفائدة من جهة المعنى أم من جهة الموسيقى وتكسب الكلام رونقًا وجمالًا يقول: " إن في هذه الزيادة لونًا من التصوير لو هو حُذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته ، فإنّ المراد بالآية ... تصوير لين النبي صلى الله عليه وسلم لقومه ، وإن ذلك رحمة من الله ، فجاء هذا المدّ في"ما"وصفًا لفظيًا يؤكد معنى اللين ويفخمه ، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية ولا يُبتدأ هذا المعنى بأحسن منها في بلاغة السياق ، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها ( وهو لفظة رحمة ) مما يُلفت النفس إلى تدبّر المعنى وينبه الفكر إلى قيمة الرحمة فيه ، وذلك كله طبيعي في بلاغة الآية كما ترى"18 فالذي يضيفه"الرافعي"إلى من سبقه من القدماء الذين تعرضوا لهذه الإشكالية يتمثل في الموسيقى وأثرها في نفس الإنسان وهو ما يبين استفادة"الرافعي"من ثقافة عصره ، واستغلالها في قراءاته الجديدة للتراث ، أما علاقة تلك الزيادة بالناحية النفسية فقد سبقه إليها كما رأينا"الشريف المرتضى"، ومع ذلك فإن"الرافعي"لم يُحل إليه .