وكذلك قال في لفظتي ( الكوب) و ( الأرجاء) اللّتين جاءتا في القرآن على صيغة الجمع ولم تأتيا على صيغة المفرد22.وعكس ذلك ساق لفظة ( الأرض ) وقال:"فإنها لم ترد فيه إلاّ مفردة فإذا ذُكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كل موضع منه ولمّا احتاج إلى جمعها أخرجها على هذه الصوّرة التي ذهبت بسرّ الفصاحة وذهب بها ، حتى خرجت من الرّوعة بحيث يسجد لها كل فكر سجدةً طويلة ، وهي في قوله تعالى:"الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن"23ولم يقل وسبع أرضين . وغيرها من دلائل الاعجاز التي قد يقف عندها العقل البشري حائرًا في مثل نظمها وما ينجم عنه من تقديم وتأخير وتعريف وتنكير ، وفي مثل سرد الأخبار وذكر أسرار علمية لم يكتشف العلم إلاّ بعضها في القرن العشرين . إلى غير ذلك من العلاقات التي يستوقفنا"الرافعي"أمامها إما شارحًا أو معلقًا دون أن ينتقل من موضوع إلى موضوع ، إلاّ إذا تأكد من بلوغنا الهدف الذي يسعى إلى تبليغه لنا."
أما بالنسبة للجملة وكلماتها: فإنّ أوجه الإعجاز فيها هو دقّة تركيب الكلام الذي انتظم من الصّوت في الحرف إلى الحرف في الكلمة للدّلالة على معنى هو من أسرار تركيبها ، وإن من اعجز ما يحقق هذا الاعجاز هو أن معاني جمل القرآن لو ألبست ألفاظًا أخرى من نفس العربية ما جاءت في نمطها وإيقاعها ، ولا أدّت ما أدته الكلمات التي هي اصل الإعجاز في هذا الترتيب الخالد الذي هو القرآن ، حيث يوضح"الرافعي"عوالم اللّغة فيقسمها إلى نوعين رئيسين: النّوع الأول تمثله لغة التّواصل العادية التي تشكل بالنسبة له"لاصقات"جامدة تشير إلى الواقع وتبرزه في أعظم مجالاته إلى العقل فبها يعرف السامع أن الشجرة /شجرة / وأن القمر/ قمر/ وهذه الوسيلة لا يختلف فيها اثنان من منظومة لسانية واحدة فهي كالهواء والطعام والشراب ، ولذا لا تميز شخصًا عن شخص .