ومهما يكن الأمر فإنّه لا يمكن لأحد أن ينتقص من الدور الذي يقوم به كلّ منهما ، فكما أنّ للغة الفصحى دورا مهمّا ، كونها اللغة الرسمية لوسائل الإعلام والتعليم في المدارس والجامعات، حيث إنها وسيلة الوحدة الثقافية التي تربط بين البلاد العربية، كذلك الأمر فإنّ للهجات دورا مهمّا، لأنها هي اللغة التي يتكلّمها الناس في حياتهم اليومية، وهي التي يستخدمونها بكل عفوية في عواطفهم وأحاسيسهم دون أيّ تفكير. لهذا فإنّه ليس من المعقول أن ننكر أهمية اللهجات العامية وأن نقلّل من دورها. وإنّما على العكس من ذلك يجب أن نعطيها حقها بالدراسة والتحليل والمقارنة مع اللغة الفصحى، وعلى الجهات المسؤولة أن تنتبه لهذا الأمر وتشجّع عليه، وخاصّة الجامعات التي يمكن لها أن تقوم بأبحاث جادّة في هذا المجال، تدرس فيها الظواهر اللغوية الموجودة في اللهجات ، وتبيّن فيها العلاقة بين اللغة الفصحى ولهجاتها، لأنّ هذه اللهجات وكما هو معروف تعود في أصولها إلى اللغة الفصحى التي تطوّرت عنها. وهذه الطريقة من البحث هي السائدة في أكثر الدول الأوربية، وأعتقد أنّ الوضع اللغوي في سويسرا يشبه تماما الواقع الموجود في البلاد العربية. وأنا لا أرى أبدا أنّ في انتشار اللهجات المحلّية خطرا يهدّد اللغة الفصحى، لأنّ هذا أمر عامّ في كلّ لغات العالم. فضلا عن أنّ اللغة العربية الفصحى لها من مقوّمات القوّة ما يجعلها تبقى دائما اللغة الأساسية للكتابة والقراءة والتعامل الرسمي، فهي- وكما هو معروف- لغة القرآن والتراث والأدب والشعر القديم. وأنا في الواقع لا أجد أيّ ضرر يمكن أن يلحق باللغة الفصحى من اللهجات ، ولكنّني أشدّد على ضرورة دراسة اللهجات المحلّية ومقارنتها بأصولها التي تطوّرت عنها ، لأنّ في ذلك غنى وفائدة للطرفين معا.