وبمقتضى ذلك ، كان الفقهاء المعنيون في الموقع الذي يسمح لهم أن يؤلّبوا ذلك الجمهور على المشتغلين في الفلسفة والقضايا الفكرية عمومًا، بقدر ما كانوا كذلك قادرين على تأليب السلطة السياسية وأعوانها على أولئك . بل إن الأمر كان يصل إلى درجة يتمكن فيها الفقهاء أن يؤلبوا الجمهور على السلطة السياسية ذاتها، بحيث يظهرون وكأنهم اسياد الموقف برمته. وواقع الحال المشخص بتناقضاته وصراعاته وتحالفاته والمصالح المادية والسياسية والاجتماعية الكامنة وراءها، هو الذي كان من وراء هذه الصيغة أو تلك التي تظهر في إطار جدلية السلطة والثقافة.
إن الانتاج الفلسفي ، العربي الاسلامي ، والحال كذلك، كان عليه أن يلفّ على النص الديني الاسلامي ( القرآن والسنة) ، بهدف امتلاكه مشروعية ظهوره مما امتلك- في الأساس- المشروعية الأولى والعظمى. وهو في هذا، وجد نفسه أمام ثلاثة أنماط من"السلطة"تعيّن عليه أن يحاذرها ويطلب ودها ويفصح عن نفسه في ضوء اعتبارها ذات حضور فاعل ، وهي السلطة الساسية العليا وفئة الفقهاء وجمهور المؤمنين الواسع. ومن ثم ، فالمنتج الفلسفي وجد نفسه ضمن شرط تاريخي ايديولوجي ومعرفي مزروع بـ"قنابل موقوتة"يمكن أن تنفجر مع أي"خلل"قد يحدث على صعيد هرمية السلطة السياسية وفئة الفقهاء وجمهور المؤمنين. وهذا يتضمن احتمال نشوء مثل ذلك الخلل على صعيد العلاقة المعقدة والمشحونة غالبًا بين الفريقين الأولين ( السلطة السياسية والفقهاء) ، دون أن يكون لمنتجي الفلسفة العرب المسلمين دور مباشر في ذلك. ولكن كان على هؤلاء أن يدفعوا ثمنًا باهظًا حيال ذلك، حيال الفقهاء ضد السلطة السياسية المعنية. وإذا وضعنا في اعتبارنا أن الفقهاء، من أمثال ابن مسرّة وابن الصلاح، برزوا بمثابة فزّاعة تدميرية في وجه المتعاملين مع الفكر الفلسفي (في المغرب) ، فإنه سيغدو في مقدورنا أن نتبيّن كم كان حرجًا ومعقدًا وقابلًا للاختراق موقف هؤلاء الأخرين.