فهرس الكتاب
لقد جاء موت ابن باجه مسمومًا، كما يجمع كثير من الباحثين، تحذيرًا لمعاصريه وأخلافه، وخصوصًا منهم ابن طفيل وابن رشد. فالأول منهما لم يترك إمكانية إلا توسّل بها للتأكيد على أن"الّلبيب"وحده هو الذي يتمكن من استنطاق النص الفلسفي الذي كتبه، ومن فهمه وتفكيكه، وبالتالي وضع اليد على مراميه"الحقيقية". أما ابن رشد فقد صاغ"نظرية الحقيقتين"بوصفها واحدة من المحاولات الكبرى في التاريخ الفلسفي للّف على الدين ( الأكثر شرعية ومشروعية في حياة الأكثرية في حينه) بهدف استجرار حدّما من الشرعية النصية الدينية والمشروعية الاجتماعية للفلسفة. وبرأينا سوف تبقى هذه المسألة منتصبة أمام أعين الباحثين ومؤرخي الفلسفة لأمد ليس قصيرًا، بحيث يتمكنون من استقصائها والتدقيق فيها على نحو تحليلي وتركيبي يبيّن الآلية المنهجية التي كمنت وراء انتاج تلك"النظرية"والأهداف القصيّة"المراوغة"التي أفضت إليها.
ومن هنا، فإن مااستنتجه رهط أو أكثر من الباحثين ومؤرخي الفلسفة من أن الفلاسفة العرب المسلمين عامة وبعضهم على نحو التخصيص ، مثل ابن رشد إيّاه ، قد ذهبوا إلى التمييز بين حقيقتين اثنتين، واحدة لـ"العامة"وأخرى لـ"الخاصة"، من باب احتقار أولئك معرفيًا وأيديولوجيًا، وتبجيل هؤلاء كذلك معرفيًا وايديولوجيا، أمر لايستقيم مع نتائج القراءة المنطلقة من جدلية السلطة والثقافة والجمهور. ولعلنا ندلل على ذلك بمثل واحد على صعيد ابن رشد ، وهو أنه في كتابه المهمّش لدى معظم الباحثين العرب والمستشرقين"شرح جمهورية أفلاطون"لايربأ بنفسه عن مثل ذلك التحقير لـ"العامة"فحسب بل يسعى لتقديم مجتمع فاضل خال من الملكية الفردية الاستغلالية ومن الاضطهاد الاجتماعي للعامة وخصوصًا النساء منهم.