فهرس الكتاب
إن عملية الخلق التي تمَّت بفيض إلهي (أو تتم بتجل إلهي دائم) على هذا النحو الذي أشرنا إليه تذكرنا بجبرية مفرطة كما هو الحال عند الأشاعرة، كما تذكرنا بالانسجام الأزلي المسبق عند ليبنتز، وبنظرية الفيض عند أفلوطين، وإن كان ابن عربي يختلف عن الأشاعرة وليبنتز وأفلوطين، فعملية الخلق عند ابن عربي ليست إيجادًا من العدم المحض، بل هي تجل إلهي دائم فيما لا يحصى عدده من صور الموجودات وتغير دائم، وتحول في الصورة في كل آن، والصورة كما يقول:"لاتكون إلا من فيضه (12) "الفيض الذي يمد كل موجود في كل لحظة بروح من الله، فيرى الناظرُ الحقَّ في صور الخلق، ومظاهره المتجددة في كل آن، ويرى أن أي مظهر من هذه المظاهر ليس هو عين الآخر، بل لامظهر منها هو عينه في اللحظة التي تليه، فكما يقول ابن عربي:"فما في الحضرة الإلهية لاتساعها شيء يتكرر أصلًا (13) "أو كما يتأول الآيتين القرآنيتين الكريمتين:"وكل يوم هو في شان"،"بل هم في لبس من خلق جديد"، فكل شيء يخلق خلقًا جديدًا في كل آن، والوجود بجملته هو المسرح الكبير، غير المتناهي الذي تتعاقب عليه الصور في الوجود أزلًا وأبدًا، ولا تظهر صورة منه عليه مرتين. إن خلق الله للعالم كما أشرنا يرتبط بأسماء الله التي لاتتناهى، وبالحقيقة الواحدة التي يعجز العقل عن حصر تجلياتها، يقول ابن عربي:"إن أسماء الله لا تتناهى.... ومايكون عنها غير متناه... وعلى الحقيقة فما ثم إلا حقيقة واحدة تقبل جميع النسب والإضافات التي يكنى عنها بالأسماء الإلهية، والحقيقة تعطي أن يكون لكل اسم يظهر إلا ما لايتناهى حقيقة يتميز بها عن اسم آخر، تلك الحقيقة التي يتميز بها هي الاسم عينه لا مايقع فيه الاشتراك (14) ". ويقول في الفتوحات المكية: [الحق من حيث الوجود عين الموجودات... والعين واحدة من المجموع في المجموع والعالم كله عين تجلي الحق لمن عرف الحق..] (15)