فهرس الكتاب
لما كانت أسماء الله لا تتناهى، فإن الموجودات وهي تجليات الأسماء وهي صفات للحق وصف بها نفسه، ووصفناه بها نحن، هي أيضًا بدورها لا متناهية. ويلزم عن هذا: أن ليس في الوجود سوى ذات واحدة وعدد لا يتناهى من النسب والإضافات يكنى عنها بالأسماء الإلهية، وحين تظهر في الصور الخارجية تسمى باسم الموجودات أوالتعينات ، فالوحدة وهي مايقع فيه الاشتراك بين الموجودات -ترجع إلى الحق ذاته، إلى الله، وأما الكثرة -وهي مالايقع فيه الاشتراك، أي يقع الاختلاف ترجع إلى هذه النسب والإضافات، ترجع إلى الخلق، فالحق والخلق وجهان لحقيقة واحدة، لها كثرة وجودية بالصور والتعينات، ولها تعدد واختلاف في مظاهرها، وهي ليست إلا صورًا للمرايا الأزلية التي تُرى فيها ذات الحق وصفاته وأسماؤه، وهذه المرايا كما قلنا هي الأعيان الثابتة للموجودات، وهي ليست إلا الصور المعقولة في العلم الإلهي، فالكثرة الوجودية التي نراها هي إذن حقيقة واحدة في جوهرها أو هي مجالٍ كثيرة لحقيقة واحدة هي الله، إذا كان الأمر كذلك، إذا كان الوجود واحدًا، فيكون إذا نظرنا إليه من وجه قلنا: إنه حق وخالق، وإذا نظرنا إليه من وجه آخر قلنا: إنه خلق وصورة ومخلوق، إذا نظرنا إليه من حيث الذات قلنا: إنه واحد، وإذا نظرنا إليه من حيث الصفات والأسماء قلنا إنه كثير ومتعدد، ولهذا وصف الحق بالأضداد بأنه الأول والآخر، والباطن والظاهر، فهو الأول والباطن من حيث الذات والوحدة وهو الآخر والظاهر من حيث الصفات والأسماء والكثرة، وهذا معنى قول أبي سعيد الخراز الذي يستشهد به ابن عربي"إن الله لا يعرف إلابجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها (16) "
ثم قول ابن عربي:
يا خالق الأشياء في نفسه
تخلق مالا ينتهي كونه ... فيك فأنت الضيق الواسع (17)
وقوله أيضًا: ... وليس خلقًا بذاك الوجه فادكروا
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا
جمِّع وفرِّق فإن العين واحدة ... وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر (18)