فهرس الكتاب

الصفحة 14499 من 23694

إنَّ الحق (الله) هو من جهة أولى الظاهر الذي يدرك ويتجلى في كل خلق أي هو العالم الواقعي المحسوس بكل مافيه، والذي يُعايَن ويُعرف عندما يُنظر في أعيانه وصوره المتكثرة، فهو كل ماظهر وكل ماظهر روحه، وهذا يكون بالنسبة لمن يقول بتشبيهه، وهو من جهة ثانية الباطن الذي لايدرك عندما يطلب في ذاته الأحدية وإطلاقه، هذا يكون بالنسبة لمن يقول بتنزيهه، ولكنه لا يكون باطنًا بالنسبة لمن يقول إن العالم صورته وهويته، والعلاقة بين الحق وظهوراته كالعلاقة بين الروح والجسد الإنساني، ولكن الفارق هو أن الروح تزايل الجسد، فلا يبقى الإنسان إنسانًا، بينما الحق المدبر للعالم، لا يزايل صوره إطلاقًا.

والحق يمكن أن يعرف بكل صورة محدودة من صور العالم، ولكن هذه المعرفة جزئية وناقصة من ناحيتين، فمن ناحية أولى: إن العارف إنما يعرف على مقدار رتبته، ومن ناحية ثانية: إن الظهورات والصور لا متناهية ولا يمكن الإحاطة بها، فلذلك لا يُعلم حد الحق، إلا عندما نعرف حدود كل الصور والظهورات غير المتناهية وهذا مستحيل.

ولما كانت صور العالم اللا متناهية لا تقوم بذاتها لأنها تفتقر في وجودها إلى الحق، ولما كان الحق حاضرًا ساريًا بروحه في كل الصور على الدوام لأنه كما يقول:"صور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلًا، فحد الألوهية بالحقيقة لا بالمجاز.. (21) "، وهذا يعني: أن العالم من جهة أولى له صفة الألوهية لأن روح الحق قائم فيه لا يزايل صوره، فصفة الألوهية إذن تطلق على العالم بالحقيقة لا بالمجاز..

ومن جهة ثانية: إن الحق له حد الألوهية لأن العالم يفتقر إليه، وهو لايفارق صور العالم، التي هي تجليات لأسمائه وصفاته، فالحق يوصف بالألوهية على الحقيقة لا على المجاز، فالعالم يفتقر في وجوده إلى الإله، والإله يفتقر إلى العالم لكي يعرف، إذ لايعرف الإله إلا بالعالم وبتجلياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت