فهرس الكتاب
إن الموجودات لا توصف بذاتها محمودة أو مذمومة، وكذلك الأفعال لا توصف بذاتها خيرًا أو شرًا، فالتفرقة بين المدح والذم والخير والشر هي تفرقة أخلاقية دينية، هي اعتبارية لا حقيقية، لأن الشر في نظر ابن عربي عدم محض، أي عدم وجود صفات إيجابية، ليس للشر وجود حقيقي بالنسبة لله الذي ليس في طبيعته تقابل (تناقض) والشر من الأشياء المتقابلة بالتضاد، فوجوده مقصور على عالم الظواهر حيث تعرف الأشياء بأضدادها، وعلى هذا فكل مايمكن أن يقال في أي موجود هو أنه مجلى يظهر فيه الحق بصفة أو صفات سواء أكانت هذه الصفات مما اصطلح عليه الشرع أو الأخلاق محمودة أو مذمومة أم لم تكن، كذلك يستوي أن نقول: إن الحق يظهر بصفات المحدثات المحمودة أوالمذمومة وأن نقول: إن الخلق يظهر بصفات الحق.
فالحق يظهر بصفات المحدثات كما أخبر عن نفسه في قوله تعالى: [ومكروا ومكر الله (34) ] وقوله [الله يستهزئ بهم (35) ] وقوله: [ إن الذين يؤذون الله والرسول (36) ] إلى غير ذلك من الآيات التي يفهمها ابن عربي بما يتفق مع مذهبه في وحدة الوجود ولايفهمها على سبيل المجاز والتوضيح للإنسان المسلم العادي بل يأخذ هنا بحرفتيها (على غير عادته) أي أنه هنا لا يتأوَّل الآيات الكريمة ويرى أن الله هو الظاهر في صورة الماكر والمستهزئ والمُؤذَى.