فهرس الكتاب
ومايثبت صحة هذه النتيجة التي ينتهي إليها الفيلسوف، وفقًا للمنطق لنصوص ( ابن باجه) تمييزه الحاسم بين الوجود الروحاني والوجود العقلي وتحديد الرتبة الأنطولوجية لكل منهما بدقة ووعي بالمقصد الذي يرمي إليه: فـ"كما يجب على الروحاني أن يفعل الأفعال الروحانية لذاتها ، كذلك الفيلسوف يجب أن يفعل كثيرًا من الأفعال الروحانية، لكن لا لذاتها، ويفعل جميع الأفعال العقلية لذاتها، فبالجسمانية هو الإنسان موجود، وبالروحانية هو أشرف، وبالعقلية هو إلهي فاضل . فذو الحكمة ضرورةً إنسان فاضل إلهي، وهو يأخذ من كل فعل أفضله، ويشارك في كل طبقة أفضل أحوالهم الخاصة بهم، وينفرد عنهم بأفضل الأفعال وأكرمها."
وإذا بلغ الغاية القصوى، وذلك بأن يعقل العقول البسيطة الجوهرية، كان عند ذلك واحدًا من تلك العقول، وصدق عليه أنه إلهي فقط، وارتفعت عنه أوصاف الحسية الفانية، وأوصاف الروحانية الرفيعة، ولاق به وصف إلهي بسيط." (16) "
وهذا مايرمي إليه المتوحد- النابت . إنه يتطلع إلى مغادرة هذا العالم الأرضي تجنبًا للمجتمع غير العاقل وتفاديًا لوحدته وعزلته التي يجد نفسه مضطرًا إليها نتيجة لتباين المعايير والقيم التي اختار أن تتحكم بسلوكه في مقابل القيم والمعايير السائدة في الحياة الاجتماعية، والتي بدت للمتوحد- النابت على أنها مناقضة للعقل ، وإنها لكذلك بالفعل. ( وابن باجه) يتوقع من المتوحد- النابت لا أن يعقل العقول الجوهرية البسيطة فحسب، بل وأن يصبح واحدًا منها كذلك.