فهرس الكتاب
إن تحول المتوحد- النابت إلى عقل بسيط في العلم الروحاني الخالص هو السبيل الذي أفضى إلى تحول الإنسان من كونه ينشد خلاص المدينة الإنسانية كلها إلى اكتفائه بنشدان الخلاص الشخصي ، ومن ذلك إلى اضمحلال الوجود الشخصي في هذا المعراج الصاعد من الوجود إلى العدم، مما سمح بولادة كل الظروف الضرورية وسائر الملابسات اللازمة لتحول المتوحد في عالم الفكر العقلي الفلسفي إلى عالم التصوف الذوقي الوجداني.
ومن الممكن اعتبار ( ابن طفيل) في رسالته (حي بن يقظان) هو الذي أنجز هذا التحول بصورة حاسمة من الفلسفة إلى التصوف، عندما انتقل من المتوحد- النابت إلى الفرد المنعزل- ذلك لأن المتوحد النابت كائن اجتماعي استمد كل ما هو ضروري ولازم لحياته من خبرات المجتمع، ونضّج تجربته العقلية داخل حدود الحياة الاجتماعية التي لم يلبث أن رفضها.
أما (حي بن يقظان) عند ( ابن طفيل) ، فإنه يبتدئ مسيرته الفلسفية من خارج المجتمع، بل هو بدأها من الطبيعة ذاتها، لأن مولده قد كان أصلًا حدثًا طبيعيًا.