فهرس الكتاب
فأحد الاحتمالات التي فسر بها (ابن طفيل) ولادة (حي) هي أنه قد تخلّق من تفاعل حدث داخل قبضة من التراب كانت ملائمة لولادة الحياة فيها ، وبعد ذلك نما متفردًا وحيدًا في جزيرة معزولة بين الحيوانات البرية بعد أن تعهدته ظبية فقدت طلاها. ويكشف لنا ( ابن طفيل) بأسلوب روائي تفصيلي أن ( حيًا) اهتدى بسلامة فطرته إلى الحقائق الطبيعية والشرعية بالاعتماد على التجربة الشخصية المؤيدة بسلامة الفطرة الإنسانية. فأظهر لنا بذلك كيف أن ( حيًا) قد انتقل- بقواه الروحية والحسية ودون أي عون خارجي أو اجتماعي - من المحسوس إلى المعقول، ومن المعقول إلى الاتصال بالعالم الروحاني. فالجديد هنا في هذه التجربة هو أن الفرد الأوحد وليس المتوحد هو الذي يقطع هذا المعراج الصاعد ، في صميم العالم الروحي ذاته، وفي طوايا هذا الليل الذي تصل إليه الفردية في معراجها، فإنها تفقد تمايزها وهويتها وتستحيل إلى جزء من الجوهر الكلي.
وهكذا فإن نظرية الاتصال التي يقُصد بها أن تضمن مكانة متميزة للفيلسوف بين العارفين هي ذاتها التي أدت إلى القضاء على كل دور للفيلسوف، بل وعلى كل أثر شخصي له في الحياة العامة والخاصة، ولقد بلغ من سطوة نظرية الاتصال أن (ابن رشد) نفسه لم يستطع أن يفكر خارجها فكان أن شارك نتيجة لذلك في المصير نفسه الذي انتهى إليه"ابن طفيل"في"حي بن يقظان"على الرغم من نزعة"ابن رشد"الأرسطية القوية.
غير أن"ابن عربي"هو الذي وضع التعبير الصوفي المناسب عن ضياع دور الفيلسوف واضمحلال وجوده في الحياة العربية الإسلامية عندما عبر عن هذا التحول الذي قام به"ابن طفيل"تحت اسم"الإنسان الكامل". ولعل آخر تعبير صوفي تردد عن هذا المفهوم بعد حوالي قرنين من وفاة"ابن عربي"هو مانجده عند"عبد الكريم الجيلي"عَنْون واحدًا من أهم كتبه باسم ( الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر) .