فهرس الكتاب
ورغم التناقضات بين العقائد الدينيّة والأفكار الفلسفية الأرسطيّة ، استطاع فيلسوف قرطبة أن يقدّم للإنسانيّة جمعاء توفيقًا عبقريًا بين هذا البناء الفلسفي الشامخ وبين الأديان السماوية، توفيقًا يَصْلُحُ ، برأينا ، لكل الأديان ، لأنها واحدة في جوهرها . وإذا كان رجال الكنيسة ، في البدء ، قد حاربوا هذا التوفيق بضراوة ، وحرّموا كتب ابن رشد ، فإنّهم مالبثوا ، في عام 1287 - كما سنرى - أن عَدَلَوا عن هذا التحريم ، فتبنوا فكر الإكويني الذي هو ، كفكر ابن رشد ، فكر أرسطي في جوهره ، وجعلوه فكر الكنيسة الرسمي . ومعنى هذا أنّه من الممكن أن تتغيّر وتتبدّل التأويلات بتغيّر الأزمنة والظروف لتبقى الحقائق ثابتة لا تتغيّر . ولقد أدرك ابن رشد ومن بعده الإكويني هذا الموضوع ، فحارب الأول علماء الكلام لأنّهم عقبة في سبيل الفهم الحقيقي للدين ، وحاربَ الآخر علماء اللاهوتِ من الأوغسطينييّن التقليدييّن ، ليحرّرَ العقل من سيطرتهم وليجْعَلهَ قادرًا على مزيدٍ من الفهم العميق للدين في بساطته وتعبيره عن الفطرة السليمة .
ولكن ، كيفَ بدأت مكافحة ابن رشد ؟ أصدر المجمع الكنسي المنعقد في باريس عام 1210 قرارًا يُحرّم ، في هذه المدينة فقط ، كتب أرسطو الطبيعيّة وشروحات ابن رشد عليها ، التي كانت معروفةٌ ومتداولة ٌ منذ تأسيس جامعة باريس عام 1210 .