فهرس الكتاب
فحتى ابن سينا مثلًا والذي وضع موسوعة ضخمة موسوعة الشفاء والتي أجزاء كبرى فيها يمكن أن تكون ارسطية ومع ذلك فإن ابن سينا حدثنا كثيرًا ووعدنا كثيرًا بأنه سيضع منطقًا للمشرقيين في مقابل منطق المشائين ، هذه الوعود حتى وإن لم تنجز فهي تنطوي على هذه الازدواجيه وتؤكدها وتكشف لنا عن هذه الازدواجيه المتأصلة والمتأزمة داخل الفكر الإسلامي ، وعلى سبيل المثال فإن أحد كتب ابن سينا ويسمى النجاة، لا يخلو من دلالة ، ولا يخلو من طرافة ويكشف عن تلك النزعة الباطنية المتوجهة صوب الواحد وصوب النزعات الفيضية المختلفة .
هذه الازدواجيه داخل الفلسفة العربية الإسلامية في المشرق قد استمرت هي ذاتها تكشف عن نفسها وبقوة داخل الفلسفة العربية الاندلسية في المغرب وفي اسبانيا .
ولو نظرنا عند ابن باجة في تدبير المتوحد مثلًا لوجدنا هذه الازدواجية ذاتها قائمة بطريقة ما فابن باجة طبيب وشارح لكتب أرسطو وإن لم يصلنا معظم أعماله ولكنه شرح ( كون الفساد ) و (الحس المحسوس ) ورسائل أخرى لأرسطو و ( السماع الطبيعي ) وهو يحيل إليها في كتابه (تدبير المتوحد ) مما يعني أن هنالك قاعدة أرسطية اتخذها ابن باجة لفكره الطبيعي . ربما نجد لديه شروحًا على بعض أعمال أرسطو ربما لم يصلنا معظمها وعلى ذلك فالتياران الأساسيان اللذان استندت إليهما الفلسفة العربية الإسلامية هما التياران اللذان كانت تنوس فيما بينهما وهما التيار الأرسطي والتيار الأفلاطوني ..
ولقد كنا نجد لدى كل مفكر - وهذا أمر عجيب في الفكر الإسلامي - أو يسهل أن نجد لديه هذين التيارين بشكل واضح وقوي... وأنا أريد أن أسجل هذه الظاهرة في الفلسفة الإسلامية (ازدواجيه عجيبة ) بين منحى عقلي ومنحى إشراقي.