فهرس الكتاب
ولا نكاد نجد فيلسوفًا - يمكننا أن نستثنيه من هذه الظاهرة: منحى اشراقي - حدسي - كشفي - صوفي - فيضي - ومنحى منطقي - عقلي - طبيعي - حسي ، فالفلسفة الإسلامية فيها هذا الازدواج ، ونستطيع أن نجد تطبيقات لهذا الازدواج عند كل فيلسوف على وجه التقريب إن لم يكن على وجه الحصر .
فالفارابي وهو أول فيلسوف عربي مسلم عظيم إذا راجعنا أعماله المنطقية وأعماله السياسية وأعماله في ما بعد الطبيعية وأعماله في السياسة المدنيه وآراءه الاجتماعية في"المدينة الفاضلة"نجد أن بعض الكتب تنحو نحوًا فيضيًا ، ونجد بعض الكتب الأخرى ولا سيما المنطقية يمكن أن تنحو نحوًا ارسطيًا . بعد إجراء كل التعديلات اللازمة على تصور الفارابي للمنطق ولكل العناصر التي يتكون منها المنطق نجد أعمالًا واضحة للفارابي فيها هذين التياران ، وأحيانًا الكتاب الواحد يحتوي على هذان التياران فمثلًا كتاب تحصيل السعادة هو نفسه يجمع بين روح أفلاطونيه وروح أرسطية والدليل على ذلك الذي يوضح هذا الأمر أكثر أن الفارابي على سبيل المثال قد ألف كتابًا أسماه الجمع بين آراء الحكيمين افلاطون وأرسطو ، فهذه الثنائية لم يكن بوسع ابن باجة أن يتجاهلها بحال من الأحوال وإنما ظلت هذه الروح ماثلة بقوة تؤكد حقوقها في صميم عقل ابن باجة ، لكن إلى جوار هذه النزعة وبجانبها ، نجد نزعة أفلاطونية قوية تدفع بالفيلسوف إلى الخروج من عالم الحس والمحسوس والكون والفساد بقصد تحقيق الاتصال بالعقل الفعال والخروج من هذا العالم نهائيًا والتحول إلى عقل جوهري بسيط .
ربما لم يشعر ابن باجه ولا الفارابي ولا ابن سينا بكفاية احد الاتجاهين حتى يفسر به أصل العالم ونشأته ، ربما لم يستطع أن يعثر على المعقولية لدى أي من التيارين فحاول أن يدمج المعقولتين في آن واحد.