وعرض المحاضر بعض آراء الشيخ الأكبر وأولها إشادته بعظمة الإنسان وإعلاؤه مكانته في الكون كله، وتنبيهه إلى أهمية الدنيا وتعظيمه لشأن هذه الحياة التي نحياها وكذلك تأكيده أهمية الحواس وقدرة العقل لدى الإنسان وذلك على خلاف ما يتصوره الناس عن التصوف والمتصوفة، فالإنسان أكمل المخلوقات وأعلاها في الكون، وهو خليفة الله في الأرض، وبسبب هذه الخلافة التي بوّأه الله إياها على الكائنات كلها، لزم أن يكون له بعض صفات المستخلف له، لأن المنتدب المفوّض ينبغي أن يشبه الذي انتدبه، وفوّضه في بعض الأمور ليكون خليقًا بهذا الامتداد والتفويض، ولقد خلق الله آدم، أي النوع الإنساني، على صورته، ومعنى ذلك في التعبيرات الفلسفية الحديثة أنه يملك حرية وفكرًا فيما يستطيع أن يدبّر أمور الكون، ويصرفها التصريف المناسب، ويحسنها، ويدفعها إلى الأمام، وإلى الأعلى.. ترقية لها وتكميلًا وتحقيقًا لصفات الألوهية في الأرض، ولكن الإنسان ينبغي أن يكون أيضًا من طبيعة الكائنات المستخلف هو عليها والتي أُوكلت أمورها به وفُوِّضت إليه، ولذلك لزم أن يتمّ تكوينه من تكوينها، وأن تتركب عناصر جسمه من عناصر أجسامها وتستند طبيعته إلى طبائعها حتى يستطيع الاتصال بها والتأثير فيها، ولذلك كان الإنسان إلهيًا بالفكر والحرية، وطبيعيًا بالجسم والتركيب وهو بذلك-أيضًا على حد تعبير ابن عربي-، الكلمة الفاصلة، الجامعة إذ كان فضلًا عن جسمه وعقله يقف حدًّا فاصلًا وبرزخًا وسيطًا بين الله والعالم.