هو حقٌّ وخلق، وقديم وحادث، وسرمدي وفانٍ، ومالك ومملوك، ولهذا كان الإنسان في الحياة الدنيا أكمل نشأة من الملائكة، ومن جميع الموجودات روحية وجسمية، بحريته يحقق من معاني الوجود ما لا يحققه تكوين الملائكة الروحي وما تعجز عنه الكائنات الأخرى، إنه بعقله وتفكيره وإلهامه، يدرك حقائق الأشياء كلها، يستطيع أن يعرف كيفية تحليلها وكيفية تركيبها فهو قد تسلّم مفتاح الإبداع في الكون، يقدر أن ينشىء أشياء ويخترعها ويفسد أشياء أخرى، ولهذا ترتبت على الإنسان مسؤولية كبرى وهي سبر الكون والإشراف عليه وتدبير الأمور تدبيرًا حسنًا، قائمًا على أسباب الفكر والحرية وتقويتهما فيه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لذلك لزم أن تكون نشأة الإنسان في الدنيا أكمل منها في الآخرة وتعيَّنت مكانة هذه الحياة الدنيا بأنّها ذريعة لتحقيق صفات الألوهية، ولأنّها سبيل الخلود والأبدية، وعلى هذا بدلًا من أن ننصرف عن الدنيا يجب أن نقبل عليها، وبدلًا من أن نخرّبها ينبغي أن نعلي بنيانها الروحي والمادي معًا، لأن البناء المادي- الروحي لا يكون إلا فيها! الإنسان ابن الحياة الدنيا، فكما هو مسؤول عن برّ أمه فإنه مسؤول عن برّ أمه الكبرى! ويتفنّن ابن عربي في حفز الإنسان على العناية بدنياه وتنظيم أموره فيها وحسن رعايته لحقوقها في قالب تمثيلي جديد، يقول ما خلاصته في الفتوحات: اعلم أن الدنيا أكمل نشأة من الآخرة لأن الدنيا دار تمييز واختلاط وتكليف، والآخرة دار تمييز فقط ولا يكون فيها تشريع قط كما في الدنيا. إن الله تعالى قد أمرنا بالإحسان إلى أمهاتنا وعدم عقوقهن فما قام بذلك الأدب إلا قليل من الناس! ومعلوم أن الدنيا هي أمنا التي ولدتنا، فإذا قال الواحد منا لعن الله الدنيا، قالت الدُّنيا لعن الله أعصانا لربّه عزّ وجلّ.