والصورة الدينية لهذه العلاقة تتمثل في فكرة الله، الواحد، المتعالي، المنزّه، المنفصل انفصالًا مطلقًا عن العالم والإنسان، وهذا ما يدعم علاقة الانفصال المطلق بين الخليفة الحاكم كممثل لله على الأرض، وبين رعاياه الآخرين فلا يحق لرعاياه إبداء الرأي في أي شأن من شؤون سلطته! ولأن الخلافة هي حامية للوحي الإلهي، الذي هو المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية حصرت دولة الخلافة الموحدية، المعرفة، بالتعاليم كما فهمها الفقهاء، وأخضعت لتصورات هؤلاء كل مصادر المعرفة الإنسانية (يونانية وهندية وفارسية) لتبقى صورة العالم راسخة في أذهان رعايا الدولة، الأمر الذي ينسجم مع هدف الدولة في ترسيخ علاقات النظام الإقطاعي، وفي ترسيخ سيادتها، وعندما تكشفت عيوب النظام الإقطاعي في القرنين الثاني عشر ومنتصف القرن الثالث عشر الميلاديين، حيث كانت أوربا المسيحية، والعالم الإسلامي يتلظيان بسعير الحروب الصليبية، وحيث كانت تنهار ممالك ودويلات، ويرافق ذلك تحولات سياسية واجتماعية، ومقابل الفكر الديني السائد الرافض لرؤية هذه التغيرات كان المتصوفة يطرحون تصورًا جديدًا للعالم وفكرًا رافضًا لعلاقة الفصل بين الله والعالم، أي مناهضًا للشريعة لا بوصفها شريعة دينية، بل بوصفها وسيطًا وحيدًا ثابتًا بين الله والعالم، وبين الله والإنسان.
في هذا المناخ وفي قلب المخاضات الفكرية التي عاشها ابن عربي في الأندلس ومراكش والقاهرة وبغداد والموصل والأناضول ودمشق، طرح ابن عربي مذهبه في وحدة الوجود كمحاولة لأنسنة الله وتأليه الإنسان وكدعوة إلى إله عالمي مغاير لإله العقائد والأديان والنحل وكدعوة إلى إنسان يتعالى على اللون والعرق والإقليم، إلى إنسان عالمي يتسامح ويحب..
وحدة الوجود وإلغاء الفصل بين الله والعالم: