فهرس الكتاب
لن أعرض للمصطلح الفلسفي المتعلق بالجدل والجدلية (الديالكتيك) (Dialectique) واشتقاقها ونطقها من الأصل اليوناني (Djalektik) والأصل فيها (Dialectus) كما اقتبستها اللاتينية القديمة وغيرها، فاستخدمتها في المصطلح المعروف، وهي تعني الجدل والحوار، والمطارحة والنقاش، وإنما سأوضح من خلال الاصطلاح العربيّ ومفهومه عند الجاحظ والجرجانيّ.
تحدث الجاحظ عمرو بن بحر (المتوفى سنة 255هـ) عن القديم والحديث في فصل من صدر كتابه (المسائل والجوابات في المعرفة) (8) ، وفيه روايته عما أورده عرضًا عن أجناس العلم العشرة ردًا عليها، خمسة منها تدرك بالحواس، وخمسة أخرى لا تدرك بها، ووقف عند العلمين الأخيرين قائلًا:"ثم جعل العلم التاسع علم الإنسان، فإنه لا يخلو أن يكون (قديمًا) و (حديثًا) .."وجعل العلم العاشر علمه بأنه (محدث) وليس (بقديم) ..
هكذا يتضح في رد الجاحظ موقفه من الإنسان والعلم ورأيه في جدلية القديم والحديث، وأن الناس هم أبناء الزمان أكثر مما هم أبناء آبائهم كما في قولهم،"الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم" (9) .
وتحدث الجرجاني علي بن محمد (المتوفى سنة 816هـ) عن مصطلحي (القديم) و (المحدث) ، فذكر أن"القديم يطلق على الموجود الذي لا يكون وجوده من غيره، وهو (القديم بالذات) ، ويطلق القديم على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقًا بالعدم، وهو (القديم بالزمان) .." (9) .
ثم استطرد الجرجاني في تعريفاته. موضحًا رأيه بقوله:"والقديم بالذات يقابله المحدث بالذات وهو الذي يكون وجوده من غيره، كما أن القديم بالزمان يقابله المحدث بالزمان الذي سبق عدمه وجوده سبقًا زمانيًا..".
وخلص إلى القول بعد توضيحه القديم والمحدث، فقال:"وكل قديمٍ بالذات قديم بالزمان، وليس كل قديم بالزمان قديمًا بالذات، فالقديم بالذات أخص من القديم بالزمان، فيكون الحادث بالذات أخصّ من الحادث بالزمان".