فهرس الكتاب
يضاف إلى ذلك كله أن الجرجاني قدم تعريفًا آخر عند القدماء عن القديم والمحدث أيضًا، فقال:" (القديم) ما لا ابتداء لوجوده الحادث، و (المحدث) ما لم يكن كذلك، فكان الموجود هو الكائن الثابت والمعدوم ضده (10) ."
لم يكتف الجرجاني بذكره (المحدث) من خلال ذكره (القديم) ، وإنما لاحظنا أنه يوضح تعريفه المذكور من خلال حديثه في موضع آخر من تعريفاته فيذكر أن"الحدوث الزمانيّ هو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا، والأول أعم مطلقًا من الثاني" (11) .
كان الجرجاني موفقًا كل التوفيق في التمييز والتفريق بين القديمين:
الذاتيّ والزمانيَ، وبين الحدوثين: الذاتي والزمانيّ، وفي هذا التمييز والتفريق سبق رياديّ توضيحيّ، وقد لاحظنا أن السابقين تعرضوا لبعض ما أورده حول هذين المفهومين من آراء مختلفة.
الزمان والجديدان
تحدث الشعراء عن فكرة الزمان، ذلك لأنه مصدر كل قديم وحديث، لا بل هو يحتضن القديم والجديد معًا، وما يتولد عنهما من خير وشر، وتقليد وإبداع، فمنهم من يتعصب لقديم الزمان، ومنهم من يفضل جديده؛ ومن المستحسن أن نتوقف عند مفهوم حقيقة الزمان وعلاقته بالناس، إذ لازمان بغير وجود الناس، كما تحدثت الخنساء عن الزمان، وله عجب، وعن الجديدين في طوق اختلافهما في شعرها قائلة (12) :
إنّ الزمان وما يفنى له عجب
أبقى لنا كل مجهولٍ وفجّعنا ... بالحالمين فهم هامٌ وأرماس
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناسُ