فهرس الكتاب
يتمثل جديد الزمان عند الشاعرة الخنساء تُماضر (المتوفاة سنة 24هـ/ 646م) في هذه الأبيات الثلاثة، في اختلاف الجديدين، وهما الليل والنهار، وكذا الأجدّان، بيد أنها كانت الفساد كل الفساد في أهل الزمان، ولا سيما المتأخرون منهم، ذلك لأنه يسلبنا الأكرمين المقدّمين، ويبقي الأذلة المفسدين، وتبرز هنا جدلية الصراع بين القديم والجديد، من خلال اختلاف الجديدين الأجدّين، وبين التقليد والإبداع من خلال عجائب الزمان البديعة. وفي رواية ثانية لشطر البيت الأول: ... وعناهم في شأنه ما عنانا
(إن الزمان وما تفنى عجائبه..) (13)
تتضح أهمية هذه الأبيات للشاعرة الخنساء تماضر، ولا أدري بواعث غلبة لقب الخنساء على اسمها تُماضر، ويحلو أن أدعوها باسمها هذا لأنه يتمثل فيه الإبداع مبنىً ومعنىً، فلا نستغرب إن روينا ما حكاه الأصفهاني:"قيل لجرير: من أشعر الناس، قال أنا لولا الخنساء، قيل: فبمَ فضلتك؟! قال بقولها:"
(إن الزمان وما يفنى له عجب..) (14)
هذا هو الإبداع التماضري في جدلية الزمان من خلال اختلاف الجديدين، ويتمثل من خلاله الإنسان بين ماضيه وحاضره، وخيره وشرّه، وصلاحه وفساده.
هكذا يتواتر حديث الزمان عند الشعراء بعد تُماضر الخنساء وغيرها من الشعراء القدامى، وربما كان المتنبي أحمد مالىء الدنيا وشاغل الناس خير من تحدث عنه، فلقد لقي منه الأمرّين، وذلك في قصيدته التي نظمها في مصر أرض الكنانة، لكنه لم ينشدها كافورًا الإخشيديّ، ومما قاله في مستهلها (15) :
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وتولوا بغصةٍ كلهم منـ ... ــه وإنْ سرَّ بعضهم أحيانا
وكأنّا لم يرضَ فينا بريب الـ ... ــدّهرِ حتى أعانه من أعانا
كلّما أنبت الزمان قناةًً ... ركَّبَ المرءُ في القناة سنانا