فهرس الكتاب

الصفحة 14660 من 23694

هذا هو الزمان السرمديّ منذ أزله البدئي حتى أبده الختاميّ، في فلسفة المتنبي، وقد صحبه الناس من قبل في ماضيهم القديم التليد، وهؤلاء هم الناس أيضًا في حاضرهم الحديث الجديد. هذا هو الدهر حقًا في ماضيه الأزليَّ ومستقبله الأبديَّ، ويبقى الإنسان والناس والأجيال في تطوره السرمديّ ما بين القديم والجديد. ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطنِ

يرى أبو الفتح أن بعض أبيات هذه القصيدة أحسن ما قاله الشعراء وغيرهم في وصف الزمن، فهو يرى أن جدلية الزمان تشغل الناس جميعًا، لأنهم صحبوه قبلنا، وأتعبهم مثلما أتعبنا، ثم ماتوا بغصصه، لم ينالوا ما انتظروه من خيره، بل تغلّب عليهم شرّه، وهكذا لم ينل أحد مراده منه، لأنه جُبل على طباع الشر، واختتم الشاعر حديثه بما قاله الحكماء القدماء، وهو"أن الزمان إذا أنبت قناةً إنما ينبتها بالطبع، ولا يشعر لأيّ شيء تصلح، فيتكلّف بنو آدم اتخاذ القناة، توصلًا إلى هلاك النفوس، فالزمان يفعل ولا يشعر ما يراد به، وهذا من كلام الحكيم" (15) .

ولا عجب في رأي الشاعر المتنبي أن نجد الزمن يستهدف الأخبار كما في قوله (16) :

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن

قد صيّرتْ أولَ الدنيا أواخرَها ... آباؤه من مغار العمل في قَرَنِ

كأنهم وُلدوا من قبل أن وُلدوا ... أو كان فهمهم أيام لم يكنِ

هكذا يتجسد في هذه المدحة الإبداع الذاتي عند الشاعر المتنبي في مدح القاضي الأنطاكي أبي عبد الله محمد، متحدثًا عن أفاضل الناس في استهلاله هذه المدحة، وأنهم أغراض لهذا الزمن، وذكر أننا"نحن في جيلٍ سواسيةٍ"وتتجلى هذه الجدلية الأحمدية في الزمان وأيامه حين وُلدوا ومن قبل أن يولدوا، و (كان) و (لم يكن) . ... بغدر حياةٍ أو بغدر زمان

بَيدْ أن الشاعر المتنبي، على الرغم من سلطان الزمان عليه، فإنه كان يتمرد معلنًا الثورة عليه، وذلك لأن الغدر يكمن في الحياة والزمان معًا والحياة بعض الزمان الغادر، وذلك في قوله (17) :

رأتْ كلَّ من ينوي لك الغدر يبتلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت