فهرس الكتاب
ومن هذا المنطلق انبرى الفيروز بادي، فناقش مطولًا في خطبة قاموسه المحيط يدافع عن العلم وطلابه، ومن خلال هذا الصراع بين القديم والجديد بقوله:"بل زعم الشامتون بالعلم وطلابه، والقائلون بدولة الجهل وأحزابه: أنّ الزمان بمثلهم لا يجود، وأن وقتًا قد مضى بهم لا يعود، فردّ عليهم الدهر مراغمًا أنوفهم، وتبين بالضد جالبًا حتوفهم، فطلع صبح النجح من آفاق حسن الاتفاق، وتباشرت أرباب تلك السلع بنفاق الأسواق" (31) .
ومن هذا المنطلق النقديّ يذكر ابن الأعرابي أن القديم أحب إليه، ومفضل عنده، فهو يتعصب له كل التعصبّ، أيًا كان قائله، مبدعًا كان أو غير مبدع، ذلك أنه كان ينظر إلى الحداثة نظرة خاصة، إذ كل إبداع حديث غير محبب عنده البتة، ولا مقبول لديه، وكأنما كان يرى في حداثة المعاصرة الحجاز والحجاب، وذلك من خلال قوله:"إنما أشعار هؤلاء (المحدثين) ، كأبي نواس وغيره مثل الريحان يُشمُّ يومًا، ويُرمى به، وأشعار (القدماء) مثل المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيبًا.." (32) .
هؤلاء القدماء، عند ابن الأعرابي هم أطياب المسك والعنبر، الباقية أبدًا، وهؤلاء المحدثون هم عبير أزهار الرياحين التي لا تعمر طويلًا.