فهرس الكتاب
وأما المصطلح المحدث فقد اقتصرنا هنا على ما ورد في بعض المواضع من الرموز في الآيات القرآنية، وخاصة في الذكر الحديث، قال الله: (ص والقرآن ذي الذكر) (44) أي: ذي البيان والشرف، وما أكثر ما اقترن القرآن الكريم بالذكر الحكيم، كما أنه اقترن أيضًا بالذكر المحدث في قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث) (45) ، وقوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث) (46) .
في هذا الذكر كله يتضح من رمزه الإعجاز القرآني الذي يجمع قدسية القِدم البديع، وجمال الحديث المبدع، ذلك لأن قرآن الذكر الحكيم يشمل الأزل والأبد والسرمد في حقيقة الخلق والبديع من الخالق المبدع، وهكذا نجد في هذا الذكر همزة الوصل الربانيّ بين القديم والجديد والتليد والطريف.
والشعراء، بالطبع هم لسان الخلق يعبّرون من خلال ذلك في مرآة شعرهم عن ذلك كله في مدائحهم النبوية وشطحاتهم الصوفية عن هذه المعاني التي تضمنها القرآن الكريم، وكأنّهم كانوا يثيرون من جديد آراء المعتزلة في معركة القديم الأزلي والجديد المحدث، في خلق القرآن الكريم، وقد أشار الشاعر البوصيري في بردته النبوية المشهورة إلى ذلك بقوله (47) :
آياتٍ حقٍ من الرحمن محدثة
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عادٍ وعن إرمِ
هذه الآيات التي أنزلها الله الحقّ الرحمن الرحيم قديمة أزلية، فيها صفة الواصف والموصوف، لم تقترن بزمان من الأزمان، ذلك لأنها لم تقترن بزمن غابر أو زمن حاضر، ذلك لأنها تجاوزت مفهوم الزمن، وهذا سرُّ الإعجاز فيها، وجوهر العلاقة الجدلية بين الصفة والموصوف، إذ لا صفة قبل التحقق من وجود الموصوف، وهنا تكمن الجدلية عند الشاعر البوصيريّ، في القديم وقدمه، والزمان وتطوره، والحديث والحداثة والمحدث. ... نخيلةُ نفسٍ كان نصحًا ضميرُها