فهرس الكتاب
هذا التوجه في رأي المستشرق جوبر لفهم القرآن الكريم في ضوء هذه الحداثة الحضارية يؤكد لنا من جديد أهمية الحداثة في كل عصر وأثر، ولا يغضّ من قيمة أيّ أثر تليد تراثيّ قِدَمُه، لأن ذلك كله لا يحجب عنه جمال الجدّة والحداثة في منظور الخلق الفني والإبداع الجديد، بله قدسيته لأنها فوق أي اعتبار آخر.
الخلق والإبداع
لقد أعطى القرآن الكريم القيمة العظمى للإبداع، وذلك لأنه قرنها بالخلق الكوني الإبداعيَّ، ولابدّ من الإشارة بادىء ذي بدء إلى أن الله تعالى ذكر الخلق الكونيّ المبدع، وهو (بديع السموات والأرض) ، وقرنه بالخلق الجديد المحدث ليؤكد أن الإبداع يبقى مقرونًا بالخلق الأول، بيد أنه يقدّس الخلق الجديد المبدع، ويلحّ عليه، ويكثر من ذكره..
قال الله تعالى: (كما بدأنا أوّل خلق نعيده، وعدًا علينا إنّا كنا فاعلين) (49) ؛ لكنه، جلّ جلاله، يتساءل مستنكرًا في قوله تعالى: (أفعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لَبس من خَلْقٍ جديد) (50) ومن المستحسن أن نستزيد من شواهده بما نتمثله في بعض المواضع من الآيات القرآنية مجتزئين بعضها في باب اقتران (الخلق) و (الجديد) من هذه التماثيل القرآنية قوله تعالى: (من خلق جديد) في سورة (ق) مرة واحدة؛ وقوله تعالى: (لمبعوثون خلقًا جديدًا) (51) مرتين في سورة واحدة هي سورة (الإسراء) ؛ وقوله تعالى: (بخلقٍ جديد) (52) مرتين أيضًا في سورتي (فاطر) و (إبراهيم) ؛ وقوله تعالى: (لفي خلقٍ جديد) (53) ثلاث مرات في سور (الرعد) و (السجدة) و (سبأ) ..