فهرس الكتاب
تفكرت في ذلك كلّه وتدبرته في كتاب الله، عزّ وجلّ، ومن المفيد أن أورد آراء بعض المفكرين، فقد اطلعت على كتاب ظهر حديثًا بعنوان (وظيفة الفنّ الاجتماعية) لمؤلفيه غروموف وكاجان" (55) وقد أوردا فيه أنّ الفن في جميع أنواعه وفروعه شكل متميز للوعي الإنساني للعالم الموضوعيّ، والذي مادته الأساسية هي الإنسان الاجتماعي، والذات الخاصة، والشخصية الفردية، واختتمت هذه الفقرة من هذا الكتاب بالقول:"إنّ الأساسيّ هو الجوهر الإنسانيّ دراسة الإنسان وتوجّه الإبداع الفنيّ" (56) ."
هذان الركنان الأساسيان هما الإنسان والإبداع وهما جوهر الخلق. ولو أننا عدنا إلى مضمون الآية السابقة (لرأينا أن المؤلفين لم يعطيا ما أعطته الآية القرآنية التي اعتمدت على عنصرين أساسيين هما الأرض والإنسان، وهما إبداع الخالق، ومن خلال الجوهر في الأرض والإنسان معًا يتفجر الإبداع الإنساني، وهكذا يبقى الاصطلاح القرآني أوسع دلالة، وأعمق رمزًا، وأقوى إعجازًا، وهذا كله أيضًا يؤكد أهمية إنسان هذه الأرض في جدلية القرآن، وهو الأصل والجوهر في ينبوع الإبداع في هذا الخلق الجديد..
نتجاوز الإبداع القرآنيّ الخلقيّ العامّ لننوهّ بالإبداع القرآني الخاصّ، وقد وقفنا من قبل عند قوله تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين) ووضحنا ما في هذه الآية من آيات بينات دالة على عظمة الخالق، وما أبدعه فيها..
نقف الآن في مخاطبة هذه الأرض، فقد ذكر أن ابن أبي الإصبع ابتكر مذهب الإبداع، واستخرجه من تدبّره قوله تعالى: (وقيل: يا أرضُ ابلعي ماءك: ويا سماء أقلعي، وغيض الماءُ، وقضي الأمر، واستوت على الجوديّ، وقيل: بعدًا للقوم الظالمين(57) .