فهرس الكتاب
هذه الآية الكريمة في مخاطبة الأرض والسماء، وهذا الإنسان هبة السماء على هذه الأرض، مؤلفة من سبع عشرة لفظة، وقد تضمنتْ واحدًا وعشرين ضربًا من ضروب بديع البيان، بله ما تكرّر من أنواعه فيها، وهذا هو جوهر السرّ حقًا في هذا الإبداع القرآني المعجز، في آيات الأرض والسماء.
يضاف إلى ذلك كله أن أبا الثناء شهاب الدين محمودًا، صاحب (حسن التوسل إلى صناعة الترسل) قد نوه بهذا الضرب البيانيّ في هذا الإعجاز القرآنيّ، وسمّاه (الإبداع) ، وعرّفه بقوله:"وهو أن يأتي في البيت الواحد من الشعر، أو القرينة الواحدة من النثر، عدة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو حمله؛ وربما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان من (البديع) ومتى لم تكن كل كلمة بهذه المثابة فليس (بإبداع) ..".
الشعر والزّمان
يتضح فيما تقدم معنا من قبل تبيان جوهر الإبداع الفكري في النهج القرآني، فهو المثل الأعلى لمنهج الإبداع البيانيّ. وممّا هو جدير بالذكر أن الإبداع يشتمل على الشعر والنثر معًا. يضاف إلى ذلك أن الإبداع لا يقتصر على القديم دون الحديث، ولا على الحديث دون القديم.
اعتمد الفيروز آبادي، صاحب القاموس المحيط، في خطبة معجمه على ما أورده صاحب الكامل أو العبّاس المبرد بقوله:
"ليس لقدم العهد يُفضَّلُ القائل، ولا لحدثان عهد يُهْتَضمُ، ولكن يُعطى كُلُّ ما يستحقّ. ألا ترى كيف يفضل قولُ عمارة على قرب عهده.." (58) . وعمارة هذا هو ابن عقيل بن جرير بن الخطفى، وهو من شعراء العصر العباسي.
أورد المبرّد توضيحًا لما سبق شاهدين شعريين من شعر عمارة، أولهما قوله:
تَبَحَّثْتُمُ سخطي فغيرَ بحثَكم
ولن يُلبثَ التخثينُ نفسًا كريمةً ... عريكتُها أن يستمرَّ مريرها
وما النفسُ إلا نطفةٌ بقرارةٍ ... إذا لم تكدّر كان صفوًا غديرُها