فهرس الكتاب

الصفحة 14679 من 23694

صورة هذه النفس الكريمة، وقد تكررت ثلاث مرات مشفوعة بذكر ضميرها، وعريكتها، ومريرها، ونطفة قرارها، وصفو غديرها، وما يعتورها من إيغار الصدر، وقد عبّر عنه بالتخثين، ومن هذه المنطلقات كلّها كان المبرد معجبًا كل الإعجاب بهذه الأبيات الثلاثة، وعبّر عن ذلك بقوله:"فهذا كلام واضح، وقول عذب". ... حياتي لكم مني ثناءٌ مُخلَّدُ

يؤكد قوله هذا أن الإبداع في نظره يعتمد على الوضوح في المعاني، وعلى الانسجام العذب في الأسلوب.

لم يكتف الشاعر بهذه الأبيات الثلاثة السابقة، وإنما شفعها ببيتين اثنين للشاعر نفسه عمارة، وهما قوله:

بني دارمٍ إنْ يفْنَ عمري فقد مضى

بدأتم فأحسنتم فأثنيتُ جاهدًا ... وإنْ عدتمُ أثنيتُ والعَوْدُ أحمدُ

إن الملاحظ من خلال أقوال المبرد في كامله أنه كان يعتمد في تقويمه الفكريّ على خمسة عناصر هي الكلام الواضح، والقول العذب، والتخلص من التعسّف والتكلف، وسلامة الأسلوب من التزيّد، والبعد عن الاستعانة، وذلك كلّه ضمن الذاتية شعورًا، والنفس انطباعًا، والضمير ينبوعًا للعطاء الفكري الأصيل المبدع. ... لابسُها في سَلَبٍ فاخرِ

أمّا مجد الدين الفيروز آبادي فقد أعرب عن رأيه في محيط قاموسه بقوله:"على أنّي لو رمتُ للنضال إيتار القوس لأنشدتُ بَيْتَي الطائيّ، حبيب بن أوس؛ ولو لم أخْشَ ما يلحق المزكِّي نفسَه من المعرة لتمثلتُ بقول أحمد بن سليمان، أديب معرة النعمان، ولكنْ أقول، كما قال أبو العباس المبرد، في الكامل، وهو القائل المحقّ.." (59) .

أمّا قول المبرد هذا فقد سبق القول فيه، وإنما نشير إلى بيتي أبي تمام الطائي، وهما قوله (60) :

لازلتَ من شكريَ في حُلّةٍ

يقول مَنْ تقْرعُ أسماعَه ... كم ترك الأول للآخرِ

وتمامهما قوله: ... ومألفًا في الزمن الغابر

لي صاحبٌ قد كان لي مؤنسًا

يحتلب الدهرَ أفاويقَه ... ويخلطُ الحلوَ مع الحازر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت