فهرس الكتاب
"هل تركت الشعراء موضعًا مسترقعًا، إلا وقد رقعوه وأصلحوه، وهذا استفهام يتضمن معنى الإنكار، أي لم يترك الشعراء شيئًا يصاغ فيه شعر إلاّ وقد صاغوه فيه".
واستطرد الزوزنيّ يقول:"وتحرير المعنى: لم يترك الأول للآخر شيئًا، أي: سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعًا أرقعه، أو مستصلحًا أُصلحه. وإن حملته على الوجه الثاني: كان المعنى: إنّهم لم يتركوا شيئًا إلا رجّعوا نغماتهم بإنشاء الشعر وإنشاده في وصفه ورصفه".
هذا القول للزوزني من خلال هذين الوجهين في تدبر قول الشاعر يعطي قدسية الإبداع من خلال إنشاء الشعر وإنشاده، وترجيع الشعراء نغماتهم، وذلك من خلال الوصف الشعري والرصف البيانيّ.
ومن هذا المنطلق السابق في مفهوم الجدلية بين القديم والجديد، وهذا الصراع الفكري بين السلف والخلف تتفجّر ثورة الشعراء المبدعين، وعلى رأس هؤلاء أبو العلاء المعرّي، شاعر المحبسين، أو الثلاثة من سجونه، كما نعت نفسه، فقد تحدث عن ذاته ومجده وعظمته، وتحدى، وهو الأخير زمانه، السابقين الغابرين من الشعراء الأولين، وذلك كله في سبيل بلوغ مجده في الإبداع الشعريّ، متحديًا الزمن وأهله، وقد تكرّر ذكره ثلاث مرات، بالإضافة إلى ما يتعلق به في قوله (63) .
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ
كأني إذا طُلْتُ (الزمان) وأهله ... رجعتُ وعندي للأنام طوائلُ
وإنيّ، وإنْ كنتُ الأخيرَ (زمانه) ... لآتٍ بما لم تستطعهْ الأوائلُ
وطال اعترافي (بالزمان) وصرفه ... فلستُ أُبالي منْ تغولُ الغوائلُ
ينافس (يومي) فيَّ (أمسي) تشرّفًا ... وتحسد (أسحاري) عليّ (الأصائلُ)
لم يقتصر على ذكر الزمان معرّفًا أو مضافًا ثلاث مرات، وإنما شفعه بأهله، وأنامه، والأوائل، وأتبعه بما يتولّد منه في اليوم والأمس، بالإضافة إلى أسحاره وأصائله.