فهرس الكتاب

الصفحة 14686 من 23694

روي أن الوحي تأخر عن رسول الله (ص) أيامًا وهو بمكة فقال المشركون: إن محمدًا ودّعه ربه وقلاه (4) ، وقيل: إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له: يا محمد- ما أرى شيطانك إلا قد تركك (5) ، وقيل: إن زوجه خديجة قالت له: إني أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك (6) ، ولفظ"ربُّه"في قول المشركين يوحي بوجود فئة وثنية محافظة على ما درجت عليه ترفض فكرة الوحدانية كما ترفض بعثة الرسول الكريم إلى الخلق. أما لفظ"شيطانك"في قول أم جميل فيوحي بوجود فئة ترفض أن يكون ثمة ملهم للقول الجميل المؤثر سوى الشيطان الذي زعم الشعراء الجاهليون أنه ملهمهم، ويوحي أيضًا بأن أم جميل- كما يقول الحافظ بن حجر (7) - قالت ما قالت شماتة. وأما لفظ"جزعك"في قول السيدة خديجة فيوحي، بأن انقطاع الوحي شق على الرسول الكريم وأن السيدة الكريمة- كما يرى الحافظ أيضًا- قالت ما قالته توجعًا. ويرى بعض المفسرين أن الآية الأولى وما وليها نزلت لرد هذه الفرية التي افتراها المشركون (8) ، ولكي"تبين للمشركين أن الوحي لن ينقطع عن رسول الله (ص) ، وأنه حبيب الله، وأن الله اصطفاه على الأنبياء" (9) . وإذا كان في هذا الرأي بعض الحق فليس الحق كله، ذلك أن الخطاب ههنا موجه للرسول (ص) المتلقي الأول للرسالة قبل سواه، فالسورة إنما نزلت أيضًا لطمأنة الرسول بمواصلة الوحي وبقاء الحب الإلهي له، وتحريره من القلق الذي يوحي به قول السيدة خديجة، وبعث السعادة في نفسه، والتشديد بهذا كله من عزمه. ومما يعزّز ذلك ما قيل في أسباب نزول بعض من آياتها: فقد روي عن ابن عباس عن الرسول (ص) أنه عُرض عليه"ما هو مفتوح بعده لأمته كَفرًا كفرا- أي قرية قرية- فسُرَّ به". فأنزل تعالى:"ولسوف يعطيك ربك فترضى" (10) . وروي في أسباب نزول الآية"فأما اليتيم فلا تقهر"أنها نزلت في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه (11) . وهي تتضمن توجيهًا اجتماعيًا للرسول (ص) يستهدف تحرير الجماعة من آفات استشرت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت