فهرس الكتاب

الصفحة 14787 من 23694

يبدو أن عملية تقديس الجيلاني قد بدأت عقيب وفاته كما تشير إلى ذلك بعض الملاحظات التي استطعنا جمعها، ويظهر أنها انطلقت من أوساط الشافعيين المتصوفين في نهاية القرن السادس/ الثاني عشر. وقد اتهم ابن تيمية، وكان من النادرين الذين ظلوا يتمتعون ببصيرة ثاقبة بخصوص ما يجري، أوساط الشافعيين هذه بالتلفيق بخصوص ابن مرزوق معاصر الجيلاني. ويظهر أن عددًا كبيرًا من أنصار الجيلاني من الجيل الثاني بعد وفاته قد سلك منعطف التصوف في النصف الأول من القرن السابع. وعليه فإنه يسعنا افتراض أن أسباغ سمة القداسة قد تقدم خطوات أكبر. ولاشك في أن المؤرخين البغداديين في ذلك العصر من أمثال ابن النجار كانوا متأثرين بعقلية زمنهم. ولكي ندرك الوضع بدقة أكبر يجب أن نضيف أن الحركة التقليدية عامة، والحنبلية منها على وجه الخصوص، كانت تتطور على نحو شديد تطورًا يشابه ما لمسناه عند أنصار الجيلاني. وهذا التطور هم تماه وتطابق متزايد مع ممارسات أوساط الصوفيين وايديولوجيتهم. ويبدو كما قلنا أن هذا التطور مرتبط بنمو الطرقية، فممارسات كانت تحرم على نحو قطعي كالرقص والسماع تُقبل الآن قليلًا قليلًا. ومقاومة هذا التطور تضعف مع مرور الأيام، ويبدو أن هذا التطور قد أنجز في القرن الثامن/ الرابع عشر. وعليه فإننا ندرك لماذا يجب أن نستخدم بحذر بالغ أقوال الكتاب المتأخرين عن عصر الجيلاني، وذلك مهما كانت ميولهم، ولقد رأينا مثلًا الهوة التي تفصل ابن رجب الحنبلي عن كاتب من القرن الخامس كابن أبي يعلى. فهو متأثر كثيرًا بالأساطير الشائعة في أيامه حول حنابلة القرون الخالية إلا حين يستشهد بنقد لها عن شيوخ ثقة كابن الجوزي أو ابن تيمية. وتعتبر الفقرة التي يخصصها لموت الجيلاني نموذجًا لهذا النوع من الكتابة. فنحن نجد فيها وقائع تاريخية حقيقية مع مجموعة لا تكاد تصدق من أساطير نسجت في وقت متأخر لخدمة دعاية الطريقة القادرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت