فهرس الكتاب
وتظهر لنا في مناسبتين طبيعة علاقة الجيلاني بسلطة شديدة الاهتمام بفرض رقابتها الإيديولوجية التي سبق لها أدواتها. فقد توفي المحدث الشهير عبد الأول بن عيسى أبي الوقت في بغداد عام 553هـ/1158م وكان قد جاءها من هراة عام 552هـ/1157م. وكانت بغداد بأكملها تؤم مجلسه حين كان يحدث نقلًا عن صحيحي البخاري ومسلم. فأم الجيلاني الناس في صلاتهم على روحه في مسجد القصر. وأهمية هذه الحادثة أكبر من تلك التي ذكرناها سابقًا. فمن الناحية السياسية نحن الآن في زمن تخلص فيه الخليفة من كل قيد أو وصاية بعد أن عاقب خصومه بشدة بالغة، وكان بينهم أشخاص بلغوا من الشأن مبلغًا لم يبلغه الجيلاني قط. فإن عهد إلى الجيلاني بصلاة بالغة الأهمية كهذه فذلك لشهرته ولرضى الخليفة عنه. وهذه الحظوة التي ظهرت مرتين على الأقل أيام المقتفي لن يفقدها الجيلاني بعد عام 555هـ/1160م، فقد خلع المستنجد الأثواب وبذل العطايا حسب العادة بعد انقضاء شهر الحداد على أبيه. وكان ابن الجوزي من بين من أصابتهم عطايا الخليفة. وهو يذكر من غمره شرف الخليفة، ويسمي الجيلاني في رأس لائحته. ونحن لا نملك أية معلومات موثوقة حول المرحلة التالية باستثناء الرواية التي أشرنا إليها والتي تذكر أن الجيلاني يستمر في التدريس والإفتاء حتى آخر أيامه. ويبدو أن الجيلاني قد بلغ قمة الشهرة ولاشك عام 555هـ/1160م ، وذلك في جميع الميادين. وحظوته عند الخليفة الجديد هي تتويج لحياته وبرهان على انطوائه الإيجابي للمجتمع القائم تحت سلطة الخليفة. ونريد أن نختتم مقالتنا أن نشير إلى مجموعتين من الملاحظات، تتعلق الأولى بأسطورة ما تزال قائمة لا تجعل من الجيلاني مديرًا لمدرسة وحسب وإنما صاحبًا لرباط كذلك، وتتعلق الأخرى بعلاقة الفقيه الحنبلي بالتصوف.
أسطورة الجيلاني صاحب رباط