والمهم أنّ من يريد الإصلاح عليه معرفة معناه ليجدّ في طلبه، ولا ينتظر ذلك من حكومته، أو من أمة أخرى غير أمته. فإذا أردنا إزالة المفاسد، وتنظيم أحوالنا السياسية، فإنه يجب علينا أن نطالب الحكومة بحقوقنا، ونلحّ في طلبها، ليس على سبيل الصدقة، وإنما بأسلوب يجعلها تدرك جديّة مطالبنا. وبغير ذلك فلن نتمكن من نيل حقوقنا (4) . فلا يمكن أن تمنح الحكومة شعبها حقوقه مالم يطالبها بها باستمرار. فإذا شعر الإنسان أنّه أسير في وطنه، ولا يمكنه الحصول على حريته، وجب عليه أن يضرب في الأرض سعيًا وراءها، مقاطعًا كل مستبد يواجهه، مهما عانى في سبيل حريته (( فإنّ الكلب الطليق خير حياة من الأسد المربوط ) ) (5) . ولابد للمرء، حين يوضع في مجال الاختيار بين الذلّ والموت، أن يختار الموت حتى لا يعيش حياة لا شيء فيها سوى الحرص على رضى المستبد لقاء طعام لا يسدّ رمقًا، وشراب لا يروي عطشًا. إن الخوف هو الذي يرسّخ الاستبداد، أما الشجاعة فهي وحدها التي تمنح الإنسان الحياة الكريمة أو الموت الشريف، وبذلك يحصل الإنسان على المجد الذي لا يأتي بالتذلل أمام المتكبرين ولكنه يطلب ببذل النفس في سبيل تحصيله.
ولا يكتمل الإصلاح السياسي إلا بمراقبة الحكم، الذي يجب أن يكون وفقًا لمبادىء الشريعة الإسلامية، أما الحكم الظالم فإن طاعته غير واجبة على المسلمين وإنّما الواجب هو محاربة الحكام الظالمين، لإزالة مفاسدهم، وتنفيذ حكم الشريعة فيهم، تحقيقًا لمعنى الآية: (ومنْ لم يَحكُمْ بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ همُ الكافرونَ) (6) ، الذين لا تجوز طاعتهم (7) .