"وبقزوين رجل يعرف بابن الرياشي القزويني، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان، مقبلًا عليه عمامة سوداء، وطيلسان أزرق، وقميص شديد البياض، وخفُّه أحمر، وهو مع ذلك كله قصير، على بِرذَون أبلق هزيل الخلق طويل الحلق، فقال حين نظره:"
وحاكمٍٍ جاء على أبلقِ
فلو شاهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدت للشاعر بصحة التشبيه وجودة التمثيل.."... ـت حفاظًا وأهجر الآدابا"
ابن فارس شاعرًا
ليس ابن فارس بين شعراء العربية المعروفين، من الذين كتبوا القصائد الجيدة وتفرغوا لقول الشعر، ذاك أنه كان في شغل شاغل من مسائل اللغة والفقه وسواهما، إلا أنه كان يلجأ إلى الشعر بين وقت وآخر، ليبثَّ هموم نفسه ويشكو الزمان والخلان، ويعطي رأيه بروح عصره. وربما سمعنا"رنينًا محزنًا بعد كل دمعة تذرف من عينيه"ورأينا"أكمامًا زاهية تفتح أهدابها سرورًا لابتسامة تتراوح بين فوائده وشفتيه (9) ".
والشكوى عنده مقرونة بالنكتة وخفة الظل، مما يذكرني على نحو ما بالشاعر أبي الحسين الجزار، وهو القائل:
كيف لا أشكر الجزارة ما عشـ
وبها صارت الكلاب ترجّيني ... وبالشعر كنت أرجو الكلابا
قال ابن فارس وهو في همذان شاكيًا: ... سوى ذا، وفي الأحشاء نار تَضرَّمُ
سقى همذانَ الغيث لست بقائل
وما ليَ لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين، وما في جوف بيتيَ (10) درهم
وتبدو في شعره نغمة قدرية واضحة: ... وخلِّ الأمور لمن يملكُ
تلبَّسْ لباس الرِّضا بالقضا
تقدِّر أنت وجاري القضاء ... ـــــــ ... مما تقدّره يضحكُ
ويصور في شعره النزعة السائدة إلى اكتناز الثروة، وحلول المال كقيمة عليا، محل القيم العليا المعروفة، مما لفت انتباهنا إليه بديع الزمان الهمذاني في بعض مقاماته ولا سيما"المقامة المضيرية"، وهو من روح ذاك العصر، عنيت القرن الرابع الهجري: ... ما المرء إلا بأصغريهِ
قد قال فيما مضى حكيم
فقلت قول امرئٍ لبيب ... ما المرء إلا بدرهميهِ