ومع أنه أورد رواية تقول"إن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها (آدم) عليه السلام قبل موته بثلاثمئة سنة، كتبها في طين وطبخه (20) ، فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابًا فكتبوه (21) "فإنه ظل أمينًا على نظريته في التوقيف، مؤكدًا أن الكتابة كاللغة توقيف. فهو يقول"فأما أن يكون مخترعٌ اخترعه -الخط- من تلقاء نفسه فشيء لا تُعْلَم صحته إلا من خبر صحيح (22) "ويستطرد قائلًا"ولم لا يكون الذي علم آدم عليه السلام الأسماء كلها هو الذي علمه الألف والباء والجيم والدال (23) ؟"ويمضي على النحو ذاته فيرى أن قواعد اللغة التي يقال إن أبا الأسود أول من وضعها، وأن العروض الذي قيل إن الخليل أول من تكلم فيه"قد كانا قديمًا وأتت عليهما الأيام وقلاّ بين أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان" (24) .
وبلغ من غلوه في هذا"التوقيف"أنه أنكر التجديد اللغوي ورفض التغيير قائلًا:"وليس لنا اليوم أن نخترع أو نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها، ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياسًا نقيسه الآن نحن".
مؤمن.. بتدّرج المعارف
ومهما يكن من أمر، فقد كانت لابن فارس رؤياه الخاصة في مجال التوقيف، فإنها انطوت على إيمان بتدرج المعارف. وهو مؤمن أنها لم تنزل جميعًا دفعة واحدة على آدم عليه السلام.