ودون أن يبتعد عن القيمة الوظيفية للاسم ينظر ابن فارس في التسمية"على المجاورة والسبب"فالعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورًا له أو كان منه بسبب، وذلك قولهم:"التيمُّم"لمسح الوجه من الصعيد، وإنما التيمُّم الطلب والقصد. يقال: تيمَّمتك وتأممتك أي تعمدتك. ومن ذلك تسميتهم السحاب"سماء"والمطر"سماء"وتجاوزوا ذلك إلى أن سمّوا النبات سماء. قال شاعرهم:
إذا نزل السماءُ بأرض قومٍ (33)
ويظل ابن فارس مراوحًا في الموقع ذاته حين يبحث في أصول أسماء قيس عليها وألحق بها غيرها، وينقل عن الأصمعي قوله: أصل"الوِرْد"إتيان الماء، ثم صار إتيان كل شيء وِرْدًا. و"القَرَب"طلب الماء. ثم صار يقال ذلك لكل طلب، فيقال هو"يَقْرَب كذا"أي يطلبه و"لا تَقْرَبْ كذا". ويقولون"رفع عقيرته"أي صوته، وأصل ذلك أن رجلًا عُقِرَتْ رجله فرفعها وجعل يصيح بأعلىصوته، فقيل بعد ذلك لكل من رفع صوته: رفع عقيرته (34)
اسم واحد لأشياء كثيرة وأسماء كثيرة لشيء واحد
وهو يلفت الانتباه إلى تسمية الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد نحو"عين الماء"و"عين المال"و"عين السحاب". وفي المقابل يُسمَّى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو"السيف والمهند والحسام"وإذا كانت هذه المفردات ترادفات فإن هذا اللغوي الكبير ينطلق في تفسيرها من قيمتها الوظيفية أيضًا."إن الاسم واحد هو السيف، وما بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى."وقال آخرون"ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غير معنى الآخر."وينتقل من الأسماء إلى الأفعال في هذا التفسير، نحو"مضى وذهب وانطلق وقعد وجلس ورقد ونام وهجع". قالوا: ففي"قعد"معنى ليس في"جلس"وكذلك القول فيما سواه (35) .