ثم يعود ابن فارس فيسهب في عرض القيمة الوظيفية لأسماء كثيرة."من ذلك"المائدة"لا يقال لها مائدة حتّى يكون عليها طعام لأن المائدة من"مادَني يَميدني"إذا أعطاك، وإلا فاسمها"خِوَان". وكذلك"الكأس"لا تكون كأسًا حتى يكون فيها شراب، وإلا فهو"قدح"أو"كوب". وكذلك"الحُلَّه"لا تكون إلا ثوبين: إزار ورداء من جنس واحد، فإن اختلفا لم تُدْعَ حُلَّة. ومن ذلك"الظَّعينة"لا تكون ظعينة حتى تكون امرأة في هودج على راحلة" (36) .
دور الإعراب والتصريف في الخطاب
وفي موضع آخر من الكتاب يبين ابن فارس دور"الإعراب"و"التصريف"في"الخطاب الذي يقع به الإفهام من القائل، والفهم من السامع"وذلك أن قائلًا لو قال "ما أحسنْ زيدْ"أو"ضَرَبَ عمرْ زيدْ" غير معرب لم يوقف على مراده. فإذا قال "ما أحسنَ زيدًا"أو"ما أحسنُ زيدٍ"أو"ما أحسنَ زيدٌ" أبان الإعراب عن المعنى الذي أراده.
ويتابع قائلًا:"وللعرب في ذلك ما ليس لغيرها فهم يَفْرُقون بالحركات وغيرها بين المعاني. يقولون"مِفْتَح"للآلة التي يفتح بها و"مَفْتَح"لموضع الفتح و"مِقصّ"لآلة القص و"مَقصّ"للموضع الذي يكون فيه القص.""ثم يقولون": هذا غلامًا أحسن منه رجلًا"يريدون الحال في شخص واحد. ويقولون:"هذا غلامٌ أحسنُ منه رجلٌ"فهما إذًا شخصان" (37) .
ويعطي"التصريف"دورًا كبيرًا في التمييز بين المعاني"فإن من فاته علمه فاته المُعْظَم"لأنا نقول"وَجَدَ"وهي كلمة مبهمة، فإذا صرفنا أفصحتْ، فقلنا في المال"وُجْدًا"وفي الضالَّة"وِجْدانًا"وفي الغضب"مَوْجِدة"وفي الحزن"وجدًا". وقال الله جل ثناؤه"وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا"وقال:"وأَقْسطوا إن الله يحب المقسطين"كيف تحول المعنى بالتصريف من العدل إلى الجَوْر. (38) .
المعنى والتفسير والتأويل