وينتبه ابن فارس إلى اختلاف واضح بين ثلاثة ألفاظ هامة من حيث معناها، هي المعنى والتفسير والتأويل."وهي وإن اختلفت فإن المقاصد بها متقاربة"ولعله يعني بالمقاصد: المرامي."فأما المعنى فهو القصد والمراد. يقال"عنيت بالكلام كذا"أي: قصدت وعمدت"وقال قوم"اشتقاق المعنى من"الإظهار"يقال:"عَنَتِ القِرْبة"إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته. و"عُنوان الكتاب"من هذا". وأما"التفسير"فإنه"التفصيل"كذا قال ابن عباس في قوله جل ثناؤه:"وأَحْسَنَ تفسيرًا"أي: تفصيلًا. وأما اشتقاقه فمن"الفَسر"ويتابع قائلًا"أخبرني القطان عن المعداني عن أبيه عن معروف عن الليث عن"الخليل"قال: الفسر: البيان، واشتقاقه من فَسْر الطبيب للماء إذا نظر إليه، ويقال لذلك"التَّفْسِرة"أيضًا. وأما"التأويل"فآخر الأمر وعاقبته. يقال:"إلى أيِّ شيءٍ مآل هذا الأمر؟"أي: مصيره وآخره وعقباه. وكذا قالوا في قوله جل ثناؤه"وما يعلم تأويلَه إلا الله"أي لا يعلم الآجال والمدد إلا الله جل ثناؤه." (39) .
بين حقائق الكلام وبين المجاز
على هذا المنوال، وحسب هذا المنهج الوظيفي إذا صح التعبير يميز ابن فارس بين"حقائق الكلام"وبين"المجاز". إن"الحقيقة من قولنا حق الشيء إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقَّق وهو المُحْكم، تقول"ثوب محقَّق النسج"أي مُحْكَمه. قال الشاعر:"
تَسرْبلْ جِلدَ وجه أبيك إنا
وهذا جنس من الكلام يصدق بعضه بعضًا من قولنا"حقٌّ وحقيقة ونصُّ الحقاق"فالحقيقة الكلام الموضوع موضَعه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل، ولا تقديم فيه ولا تأخير كقول القائل: أحمد الله على نعمه وإحسانه. وهذا أكثر الكلام." (40) . ... وماذا يؤدي الليلُ حين يؤوبُ (42) ."