فهرس الكتاب

الصفحة 14878 من 23694

وأما"المجاز"فمأخوذ من"جاز يجوز"إذا استنّ ماضيًا. تقول: جازَ بنا فلان. وجاز علينا فارس. هذا هو الأصل. ثم تقول:"يجوز أن تفعل كذا"أي: يَنفُذ ولا يُرَدُّ ولا يُمنَع."الكلام الحقيقي يمضي لسننه لا يُعتَرض عليه، وقد يكون غيره، يجوز جوازه لقربه منه، إلا أن فيه من تشبيه واستعارة وكفٍّ ما ليس في الأول، وذلك كقولك: عطاء فلان مزْنٌ واكفٌ، فهذا تشبيه. وقد جاز مجاز قوله"عطاؤه كثير وافٍ"ومن هذا في كتاب الله جل ثناؤه"سنسمه على الخرطوم"فهذا استعارة. وقال:"وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام"فهذا تشبيه (41) ."

وفي هذا الباب ذاته يذكِّرنا ابن فارس بضرب من الكلام ما زال شائعًا في حياتنا الاجتماعية، ويستخدمه العوام خاصة. ذاك"مخالفة ظاهر اللفظ معناه كقولهم عند المدح"قاتله الله ما أشعره"فهم يقولون هذا ولا يريدون وقوعه. ومنه قولهم"هوت أمه، وهَبِلَتْه، وثكَلتْه"قال كعب بن سعد يرثي أخاه:"

هَوَتْ أمُّه ما يَبْعث الصبحُ غاديًا

البلاغة الإيجاز ... حتى يقول نساؤهم هذا فتى

وفي كلامه على"الحذف والاختصار"يضع يده على سمة تتميز بها اللغة العربية تمامًا. وهذا ما دفع بعضهم إلى القول"البلاغة الإيجاز"وربما جاء من يقدم تفسيرًا لهذه الظاهرة، قد يتعلق بطبيعة المناخ المائل إلى الحرارة الشديدة في كثير من مناطق الجزيرة العربية، وهو ما قد يجعل الإنسان هناك ضيّق العَطَن ملولًا محبًا للإسراع والاختصار والإيجاز. وهذه من جانب آخر صفة إنسانية غير مذمومة على العموم. من ذلك ما جاء في كتاب الله:"واسأل القريةَ"أراد أهلها. و"بنوفلان يطؤهم الطريق"أي أهله. و"نحن نطأُ السماء"أي مطرَها. ومثل هذا قوله تعالى"أن اضرب بعصاك البحرَ فانفلقَ" (43) أي فضرب فانفلق. ومنه"إني آمنت بربكم فاسمعوني، قيل ادخل الجنة" (44) أي: فلما قُتل قيل ادخل الجنّة (45) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت