فهرس الكتاب
أولًا: أخذت العربية من اللغات الأخرى المسميات التي كانت مادية في معظمها، ولم تكن قد عُرفت في المجتمعات العربية. ويمكن أن يرصد هذا في مفردات الدخيل القديم. وفي مرحلة لاحقة، عندما اشتغل العرب بالترجمة وعلم الكلام واطلعوا على الفلسفات والأديان لدى الأمم المجاورة تسرّب قدر قليل من الألفاظ الذهنية المجردة أو ذات الطابع الفكري من تلك الأمم، ولكن في اعتدال واقتصاد.
ثانيًا: لم تأخذ العربية ما يمكن أن يخلّ بأسس قواعدها وأحكامها، إذ لم تأخذ من اللغات الأخرى لا الصفات ولا التراكيب، لأن ثروتها اللفظية الوفيرة، وتماسك قواعدها المطردة يغنيانها عن ذلك، ولا يناقض هذا الحكم ما تأثرت به من مظاهر الأساليب في العصر الحديث. ولهذا لم يكن خطر الدخيل اللغوي ذا أثر كبير في تاريخ العربية، إنما استطاعت أن تهضمه وتتمثله بغير عسر أو مضاعفات أو عقابيل تخلخل بنيانها المتين...
ثالثًا: دلّل هذا الأخذ من اللغات الأخرى على عراقة التجربة الإنسانية للعرب، وعلى صلتهم الواسعة بالأمم المجاورة، في مجالات العلم الخالص، وفي المتاجرة والحروب وعلاقات الجوار وتطور المجتمعات نحو التحضر بغير تعصب أو انكفاء على الذات، أو تخوّف من المؤثرات الخارجية. كما دلّل على مقدرة العربية ونجاحها في استيعاب مظاهر الحضارات الأخرى ومسمياتها ومصطلحاتها.
رابعًا: ما من شكّ في أن الدخيل الذي أخذته العربية قد أمدّها بثروة لغوية وافرة وجدت طريقها، على مرّ العصور، إلى المعاجم وكتب التراث العربي، مما أغنى تجربتها الفكرية والحضارية. وهذه المادة اللغوية، على تنوعها، في حاجة إلى المزيد من الدراسة والتصنيف والتتبع لتكون دليلًا وثائقيًا في جملة الأدلة التي يحسن اعتمادها لدراسة تاريخ العربية دراسة لا يعوزها النقص، ولا تُرمى بإغفال هذا الجانب المهم من النشاط الإنساني.