وتعدت مؤلفات العلماء في الغريب حدود القرآن والحديث إلى اللغة نفسها، عرف من كتبها غريب اللغة للدار قطني (علي بن عمر) ( [10] ) ، وتفسير الغريب لبزرج بن محمد العروضي، وغريب الحديث والكلام الوحشي للأصمعي، وغريب الأسماء لأبي زيد الأنصاري... وغيرها. ( [11] )
كتب الغريب: حقيقتها وفحواها
برز اهتمام العرب بلغتهم عندما بدؤوا نشاطهم الأول في جمع ألفاظها في مصنفات حملت - كما سبق - اسم"الغريب". ودارس العربية والباحث فيها يشنف سمعه مصطلح"الغريب"فيفهم منه للوهلة الأولى - انسجامًا للمسمى مع اسمه ( [12] ) -أنه يدور حول الألفاظ الغريبة المتعارف على سماتها في العرف اللغوي -البلاغي. فهل ضمت هذه المصنفات في ثناياها الألفاظ الغريبة؟؟ وما هو الغريب المقصود فيها؟؟.
وتوخيًا للدقة، وتوضيحًا للطرح، لا بد من القاء الأضواء على مادة"غريب"في العرف اللغوي، وفي المعنى الاصطلاحي، ثم موازنته بما جاء في مؤلفات الغريب، للخروج بالرأي الصائب والحكم الأسدّ، وهنا يثار تساؤل مفاده، ما هو الغريب؟؟
الغريب في اللغة البعيد عن وطنه، جمعه غرباء. قال الشاعر: (من الطويل)
إذا كوكبُ الخرقاء لاح بسُحْرَةٍ
وقالت العرب:"قذَفَتْهُ نوى غَرْبة، أي بعيدة". ( [14] ) كما جاء في استعمالهم:"أصابه سهْمُ غَرْب وسَهْمٌ غَرْبٌ، أي لا يدري راميه. ( [15] ) واشتقوا من مادة (غريب) أفعالًا، قالوا:"اغترب فلان إذا تزوج إلى غير أقاربه" ( [16] ) وفي الحديث المنسوب إلى النبي (ص) :"اغتربوا ولا تُضْوُوا" ( [17] ) ... يكونوا حوْلَ منبرهِ عِزينا ( [29] ) "
من خلال المعاني المتقدمة، يلاحظ أن مادة (غريب) تحمل في أصولها معنى البعد من الأنس، والانفراد عن أبناء الجنس، لذلك استعاروا منها صورة تشبيهية نقلوها لمن انفرد عن أهله ولا ناصح له، قالوا:"وجه كمرآة الغريبة لأنها في غير قومها فمرآتها أبدًا مجلوّةٌلأنه لا ناصح لها في وجهها" ( [18] ) ومن هنا ظهر المعنى الاصطلاحي.