قصائد أربع توّجت بذكر ابنته زهيرة الهذلية، رويّ الأولى اللام، ورويّ الثانية الراء من اسم ابنته، ورويّ الثالثة الفاء، ورويّ الرابعة الميم. بَيْدَ أن الملاحظ هو ظهور الجدلية بين القديم والجديد. أما القديم فيتضح في ذكره (شيبة) مكررة أربع مرات، وهو يتمثل في أبي كبير الهذليّ، والشباب الجديد المتمثل في ابنته زهيرة، لا الشباب الجديد الأول. ... وغدت ريحُه البليلُ سَموما
هكذا يتجلّى إبداع الهذلي في جدلية القديم والجديد في أربع قصائد جاهلية مما لا نعرف له نظيرًا في التراث العربي القديم.
ومن الشباب الأول، إلى روضة الشباب، وقد صار هشيمًا، وذلك في هذه الصورة الفنية للشاعر أبي تمام بقوله:
أصبحتْ روضةُ الشباب هشيما
شعلةٌ في المفارقِ استودعتني ... في صميمِ الفؤادِ ثكلًا صميما
تستثير الهمومُ مااكتنّ منها ... صُعُدًا وهي تستثير الهموما
ذلك هو الشباب الأول في شعر أبي ذؤيب، وهذا الشباب الهشيم، وقد صوّحت أزاهيرهُ شعلة المشيب فأصبح رمادًا تذروه رياح الزمن وأعاصير الدهر. ... والبينُ أثكلني وإن لم أَثْكلِ
المنزل الأوّل
قصة المنزل الأوّل وحنين الإنسان إليه مهما تباعد، وقصة الحبيب الأول وتشوّق الإلف إليه وإن كان بعيدًا، معروفتان لدى الشعراء وغيرهم، ذلك لأنهم تحدّثوا عن هذه الجدلية في الماضي والحاضر في معانٍ كثيرةٍ وأغراضٍ مختلفة، لذلك كان الاهتمام بالديار والمنازل عامة، والمنزل الأوّل خاصة، وكان الاهتمام أيضًا بالصواحب والأحباب عامة، والحبيب الأول خاصة.
هكذا كانت جدلية المنازل والديار العافية عامة، بَيْد أن للمنزل الأول قدسية راسخة في أعماق النفس الإنسانية، وكذلك ذكرى الصواحب والأحباب عامة، بَيْدَ أن للحبيب الأول منزلة راسخة في أعماق القلب والوجدان الحيّ.
من ذلك قول الشاعر الطائي الأكبر أبي تمام في مقطوعة رباعية استهلها بالتحدث عن البين الذي جرّعه نقيع الحنظل، وخلص إلى قوله (65) :
البينُ جرّعني نقيعَ الحنظلِ