فهرس الكتاب

الصفحة 15195 من 23694

ماحَسْرتي إنْ كِدْتُ أقضي إنما ... حسرات قلبي أنني لم أفعلِ

نقّل فؤادك حيثُ شئت من الهوى ... ما الحبّ إلا للحبيبِ الأوّلِ

كم منزلٍ في الأرضِ يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزلِ

هكذا يطغى على الشاعر حبّه القديم، وهو أول حبّ عرفه في حياته، ويبقى هذا الحب الأثير متمكّنًا في نفسه لا تغيّره الأيام والسنون، ولا يصدّعه أو يطغى عليه أيّ حبٍّ جديد أو هوى حادث، وقد مثّل ذلك في هذا التصوير الفنّي والتمثيل البيانيّ، والتشبيه الضمنيّ في هذا المقام الأوّل الذي شهد تفتح الإنسان على الحياة، فكان مرسومًا في ذاكرته وكامنًا في أعماق نفسه، وحيًّا في هيكل ذاته. ... حياضك عنه في العصور الذواهب

أبرز الجرجانيّ في أسرار بلاغته من خلال بيانه أهمية التمثيل البيانيّ وتأثيره فذكر"أنّ أنس النفوس موقوف على أن تخرّجها من خفيّ إلى جليّ، وتأتيها بصريح بعد مكنيّ.... فلهذا يحصل بهذا العلم الأُنس من جهة الاستحكام والقوة، وضرب آخر من الأُنس، وهو مايوجبه تقدّم الإلف كماقيل: (ما الحبّ إلاّ للحبيبِ الأولِ) ، ومعلوم أن العلم الأول أتى النفس أولًا من طريق الحواس والطباع، ثم من جهة النظر والرويّة، فهو إذن أمسّ بها رحمًا، وأقوى لديها ذممًا، وأقدم لها صحبة، وآكد عندها حرمة، وإذا نقلتها في الشيء مشبهًا بمثله عن الدرك بالعقل المحض، وبالفكرة في القلب إلى مايدرك بالحواس، أو يعلم بالطبع، وعلى حدّ الضرورة، فأنت كمن يتوسّل إليها للغريب بالحميم، وللجديد الصحبة بالحبيب القديم فأنت إذن مع الشاعر...." (66) .

ومن الغريب العجيب حقًا أن الشاعر نفسه كان يجمع بين طرفي الجدلية الزمانية، فيستثيره فيض الإبداع الإنسانيّ، وينسيه القديم التليد الأثير عنده، والمتمثّل، في ذلك المنزل الأول، وذاك الحبيب الأول حين يطغى عليه صوب العقل المبدع ليسقي بديم الذكرى أطلال المنزل الأول لهذا الحبيب الأوّل، ويؤكد الشاعر الطائيّ هذا كله في قوله (67) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت