كان الشاعر يؤمن بمنزلته العليا، وهو الطائي الثالث، ويؤكد بالتالي أن قدره السامي يسامق أقدار السابقين والمعاصرين، بَيْد أنه يستدرك حكمه متردّدًا لكونه من المتأخرين، والمعروف أن ميزان الفضل للمتقدمين، وهم الذين خلّدهم الزمن، لكن هذا كله لا يقدح في وجهة نظره من مكانة النفس المبدعة، وأنه لا يقل عن المتقدمين إطلاقًا، ويدلّل على صحة رأيه مستخدمًا التشبيه التمثيلي الضمنيّ من خلال تسلسل الرقوم الهندية، وبذلك يعلّل الشاعر الإبداع عند المحدثين والمتأخرين. ... وعُدْتُ إلى مصحوب أول منزلِ
ونقف أخيرًا في المنزل الأول عند الإمام الغزالي، صاحب إحياء علوم الدين، فهو يرمز من خلال تصوّفه إلى الهوى القديم في التنويه بمصحوب أول منزل، ويصرّح معرّضًا ومعرضًا عن الهوى المحدث، وهاجرًا الهوى والتغزلّ بليلى وسعدى. بقوله:
تركت هوى ليلى وسُعْدَى بمعزلِ
ونادت بي الأشواقُ: مهلًا فهذه ... منازل من تهوى رويدكَ فانزلِ
غزلتُ لهم غزلًا دقيقًا فلم أجد ... لغزلي نسّاجًا فكسّرت مغزلي
وما أجمل قول الغزالي في بيته الأخير مجانسًا في (غزلت) و (غزلًا) و (غزليّ) . وحقًا فإنه كان نسَّاجًا ماهرًا يغزل غزلًا دقيقًا، وهو يجانس بين حروف اسمه وألفاظ شعره. ... (منازلك الأولى) وفيها (المخيّم)
لقد أزمع أمره على هجر كلّ من يعرفه ويحبّه لأنه يبتغي أن يصفّي جوهر المطلق من كلّ عرض حادث وهوى جديد محدث، وهذا هو حقًّا المخاض النفسيّ العسير لأنه يمثّل هذا الصراع المستديم بين جوهر القديم المطلق وعرض الجديد المحدث، ويغرق من ثمَّ في هذه المواجد السلوكية، والشطحات الصوفية على اختلاف الأحوال.
هكذا كان الصراع محتدمًا بين سور التقليد وحرية الإبداع من خلال جدلية القديم والجديد، وتتمثل في عدّة ظواهر فنيّة، في المعنى والغرض الشعري والنظرة النقدية والمذهب الفنّي.
رموز صوفيَّة