فهرس الكتاب
أبرز مايُلاحظ أن أسطورة المنزل الأول أصبحت المنطلق في خضمّ فلسفة القديم الجديد، وغدا هذا المنزل التخيّل رمزًا صوفيًّا أصلًا كمّا توضّح لنا في الإشارة إلى (مضمون أوّل منزل) عند الإمام الغزالي بَيْدَ أن هذا المنزل الأوّل قد تغيّر وتطوّر عند هؤلاء المتصوفة، فأصبح الرمز الأول للمنزل المخلّد الأبديّ في دار القرار والبقاء، وهو المذكور في محكم التنزيل القرآنيّ: (ياقوم إنما هذه الحياةُ الدنيا متاعٌ وإنّ الآخرة هي دار القرار) (70) ، ودار القرار هي المقصودة بالمنزل الأوّل الذي يتغنى به المتصوفة وهكذا قلبت هذه الآية مفهوم المنزل الأوّل عند الشعراء ليصبح دار القرار في الآخرة.
أمّا ابن قيّم الجوزية فيتحدث عن المنازل الأولى جمعًا، لأنّ فيها المخيّم، فقد ابتدأ بقول النبيّ، صلّى الله عليه وسلم، لعبد الله بن عمر، رضي الله عنهما:"كن في الدنيا كأنّك غريب، أو عابر سبيل"، وعلّق على هذا الحديث النبويّ، بقوله:"وهكذا هو في نفس الأمر لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حقّ المعرفة، ولي من أبيات في هذا المعنى (71) :"
وحيَّ على جنّاتِ عدنٍ فإنّها
ولكنّنا سَبْيُ العدوّ فهل ترى ... نعودُ إلى أوطاننا ونُسلّم؟!
وأيّ اغترابٍ فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداءُ فينا تحكّم؟!
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطّت به أوطانُه ليس ينعمُ
فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة ... من العمر إلاّ بعد ما يتألّمُ
هكذا يسمو ابن قيّم الجوزية في أبياته الخمسة السابقة سمّوًا إنسانيًا، يعيده إلى صفائه الذاتي، وبقائه المتمثّل في ذلك المخيّم الأبديّ، وهو المقام في منازل الإنسان الأولى المخلّدة، وتتضح من خلال ذلك جدليّة الزمن المرموز إليه بهذا العمر المتقلّب بين النعيم والجحيم، والتنعّم والتألّم، وهكذا تنقلب هذه الجدلية من صيغتها السلبية إلى صيغتها الإيجابية، وتطرد ساعات العمر من خلال الإيجاب السلبي، إن صحّ التعبير. ... كما علمت بعد وليس لها قبلُ