فهرس الكتاب
كما كثر تحدّث الشعراء والمتصوّفة عن القديم والجديد أيضًا، ذلك لأن الرموز الصوفيّة، وطبيعة الشعر.. تجعلهم حائرين بين سراب الماضي الذي طوته الأيام، وهذا الحاضر الذي يستبدّ بهم، ولاسيّما الشعراء المتصوّفة، وربّما كان الشاعر ابن الفارض ممّن وحّد مفهومي القديم والجديد معًا توحيدًا صوفيًا اعتمادًا على جدليّة الوجود الكونيّ. (72) .
حديثي قديم في هواها وماله
إن جديد حديثه في الهوى قديم أصيل، فهو يجمع الوجود من طرفيه، ذلك لأن قديمه حديث طريف، وحديثه قدييم تليد، وليس بعد هذا التوحيد المطلق قبل سابق، ولابعد لاحق، فبعده قبل، وقبله بعد. ... لك بالزيادة كلَّ آنٍ تحدثُ
لقد اقتدى الشعراء المتصوّفة وغيرهم بابن الفارض، وأكدوا هذا المعنى كثيرًا في أشعارهم، نذكر منهم، على سبيل المثال، المكزون السنجاريّ، فقد تحدث عن وجده وهواه، من خلال هذه الجدلية، بقوله: (73) .
وجدي قديم في هواك ولوعتي
فلذاك كلّي ألسن بحديثه ... بين الورى ومسامع إن حدّثوا
يرى الشاعر المكزون أن حبّه قديم، وأن لوعة هواه حديثة تتجدّد. فهي تمثل في نظره نزعة تطورية، إذ تغدوكل لحظة حداثة ترتبط بهذا القديم وتتعلّق به. ... وفرط عذابي في هواكِ نعيمُ
يتّضح الأمر نفسه عند الشاب الظريف، شمس الدين محمد، وهو ابن الشاعر الصوفي الكبير عفيف الدين سليمان التلمساني، شاعر الوحدة المطلقة، وقد قال في هذا المعنى (75) :
حديث غرامي في هواك قديم
وما الكونُ إلًا صورةٌ أنت روحها ... وجسم بغير الروح كيف يقوم؟!
تتمثل الجدلية عند الشاعر في ذكره الكون، كما أنه يرمز إلى العدم المفهوم من المعنى في البيتين، ومن خلال هذه الجدلية الأدبية، لا الفلسفية، في نعيم حبّه، وجحيم عذابه يتحدث عن القديم والحديث، هذا الحديث الشائق، وتغدو الكونية نظريّة شعريّة جدليّة بين القديم والجديد. ... وقاطعًا بكثرة الموجود