فهرس الكتاب
أمر هام خطير، على جانب كبير من الأهمية في وصف هذا الصراع بين القديم والجديد المتمثل في السلف والخلف، وتتضح فيه الثورة الفكرية لنصرة الجديد في فهم الفقه أولًا، وفي آفاق الفكر الإنسانيّ المبدع ثانيًا، والملاحظ أن الشيخ الشوكاني تعرّض لقضية الاجتهاد في الفقه، وضرورة النظر في بعض أحكامه ممّا لم يرد عليه النصّ صراحة، ثم استطرد بعد هذه الخطبة المطوّلة يقول:"ليعلم صاحب تلك المقالة أن اللّه، وله المنّة قد تفضّل على (الخلف) كما تفضّل على السلف، بل ربّما كان في أهل العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية، على اختلاف أنواعها، من يقلّ نظيره من أهل العصور المتقدّمة..." (79) .
وما أشبه اليوم بالأمس، فنحن مازلنا نذكر الجدل في قضية الفقه الجديد، أو تجديد الفقه بين عالمين من علماء هذا العصر، وهذه المسالة هي موضع الجدل والجدال بين السلف والخلف، وبين المتعاصرين أنفسهم، وهذا مظهر من مظاهر الجدلية بين القديم والجديد.
حداثة الإبداع
هكذا طرحت قضية القديم والجديد من قبل، وطرحت كذلك القضية نفسها حديثًا، وكان أستاذي الفاضل المرحوم شفيق جبري شاعر الشام، من أوائل من طرحها من المعاصرين والمحدثين في بلاد الشام والوطن العربيّ بشكل مفصّل قبل سبعين عامًا أو تزيد، كما طرحت في الوقت نفسه بمصر، أرض الكنانة، وذلك في مقالة هامّة مؤلفة من إحدى عشرة صفحة، قدّم بها ديوان شاعر العاصي صديقي المرحوم بدر الدين الحامد سنة 1347 هـ/ 1928م.
استهلّ جبري تقديمه بقوله:"إن لي نفسًا تحبّ الانطلاق من كل قيد، فدعني أرسل الكلام على طبيعته، وأذكر من الأدب مايتيسرّ ذكره في مثل هذا المقام".
واستطرد يقول:"أستعفيك من إطالة البحث في الأدب، فاسمح لي بأن يكون بحثي أشبه شيء بأحاديث يتساقطها أصدقاء يضمهم مجلس واحد."